من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٨ - كونوا أنصار الله
وفي دار الدنيا متمثلًا في النصر والفتح والتحرر .. وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ قيل: بشِّرهم بالنصر لما في ذلك من السرور ورفع المعنويات، ويبدو لي أن البشارة هنا تنصرف أيضا إلى أشياء أخرى غير الجنة والنصر، من أبرزها لقاء الله ورضوانه. وهنا ملاحظة نستوحيها من أمر الله للرسول بتبشير المؤمنين هي أن على القائد أن يثبت روح الأمل والرجاء في صفوف أتباعه على الدوام، ليرفع من معنوياتهم، ولكيلا يفقدوا حماسهم وأملهم بسبب التحديات التي في الطريق.
وهذه الآيات الكريمة تحدد الاستراتيجيات الأساسية للجهاد، فهو على صعيد الآخرة وقبل كل شيء يجب أن يستهدف النجاة من النار وغفران الله وكذلك الجنة، وعلى صعيد الدنيا النصر والفتح، والفتح أشمل من النصر، فالنصر هو هزيمة العدو عسكريًّا وقد يكون محدودا، في حين أن الفتح هو الانتصار الشامل وفي كل الأبعاد.
وتأكيد ربنا على أن الهدف الأخروي هو الغاية العظمى للجهاد من شأنه السمو بروح المؤمنين إلى سماء القرب من الله، وعلاج أي حالة من حالات التوقف التي قد يبتلى بها المجاهدون بسبب اليأس من طول الانتصار، فإن الجهاد ليس موضوعا للانتصار على العدو وحسب بل لنيل رضوان الله، وهو واجب شرعي وفريضة كالصلاة والصيام لا يسقطها عن كاهل المجتمع أو التجمعات الرسالية مجرد أن يكون الانتصار صعبا أو بعيد المنال.
[١٤] وتأتي خاتمة السورة لتشير إلى المراحل الأساسية في الحركات الرسالية، وهي أربع مراحل
الأولى: انبعاث القائد الرسالي في المجتمع، والذي يمثل البذرة الأولى والأساسية للحركة والتغيير.
الثانية: التفاف مجموعة من الناس حوله، وإيمانهم بفكره، وتسليمهم لقيادتهم، وهم الطلائع.
الثالثة: توسع دائرة الحركة وتيارها في المجتمع، الأمر الذي يقسمه إلى جبهتين: جبهة الحق، وجبهة الكفر، مما ينتهي به إلى الصراع.
الرابعة: انتصار الحق وأهله على جبهة الباطل كعاقبة نهائية للصراع.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ جمع حواري وهم الخُلَّص الخواص من أتباعه، قيل: [سُمُّوا حواريين لأنهم كانوا قَصَّارين حيث إن الله- حسب