من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٤ - كونوا أنصار الله
البداية كان الكلام عن الأذى الذي لقيه كليم الله من قومه، وربما كان ذلك الأذى متمثلا في رفضهم لأخيه ووصيه هارون عليهما السلام لما استخلفه وذهب إلى مناجاة ربه، ثم عبادتهم للعجل رمز القيادة المنحرفة في المجتمع آنذاك، كما أن عيسى عليه السلام بشَّر بقيادة الرسول صلى الله عليه واله ولكن الكفار والمشركين من الناس رفضوا التسليم له، ثم إن القرآن يؤكد أن الله سوف يُتِمُّ نوره رغما على الكفار والمشركين الذين يسعون لإطفائه. ولا ريب أن القيادة الرسالية مشكاة نور الله ووحيه، والتي لا يحصل الإنسان على الكمال الإلهي إلا بالتسليم لها.
بينات من الآيات
[٨- ٩] يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ والنور لا يطفئه نفخ الإنسان عليه، فكيف إذا كان ينبعث من عند مليك السماوات والأرض. وهذا التعبير من بلاغة القرآن وبديعه في تقريب المعنى إلى ذهن المتدبر. وكلمة الأفواه يستخدمها القرآن للدلالة على الكلمات الكاذبة التي لا تنطلق من القلب ولا تملك رصيدا من الواقع، كالثقافات الجاهلية والدعايات المضللة التي تبثها أجهزة الإعلام الطاغوتية ضد الحق ورموزه وأتباعه.
وقد اختلفت أقوال المفسرين في بيان مصداق النور الإلهي، فقال بعضهم: إنه الرسالة المتمثلة في القرآن وسائر كتب الله، وقال آخرون: إنه الرسول صلى الله عليه واله، كما أوَّلته بعض روايات أهل البيت عليهم السلام في الإمامة وصاحب الأمر عليه السلام، والذي يظهر لي أن الحقائق الكبرى تتواصل فيما بينها، فمثلا العقيدة بالتوحيد مبعث للعقيدة بالعدل، وهذه تبعثنا نحو الإيمان بالآخرة، وكل هذه الحقائق تتركز في الإيمان بالولاية، وهكذا يحدثنا الكتاب عن الحقائق الكبرى بلا فصل بينها ولا تمييز، مما نجد لها أكثر من مصداق، فمثلا عندما يأتي في القرآن ذكر لحبل الله أو نور الله فإننا نجد له أكثر من مصداق، فحبله كتابه، وكذلك القيادة التي تمثل امتداده في المجتمع، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، ولا يؤدي دوره العملي بتمامه من دونه، وهكذا فسَّرنا قوله سبحانه وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً [آل عمران: ١٠٣]، بأنه الوحي الإلهي والقيادة التي تمثله، وهكذا أوضح الرسول صلى الله عليه واله في حديث الثقلين
«.. كِتَابَ الله وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْض ...»
[١]، وكذلك هنا لا يوجد أي تعارض بين أقوال المفسرين، فنور الله واحد ولكن له تجليات عديدة، فهو يتجلى في كتابه كما يتجلى في الرسول وفي الإمام الذي يخلفه، حسب ما مر في تفسير آية النور [٢].
[١] وسائل الشيعة: ج ٢٧، ص ٣٣.
[٢] هنالك تجد بياناً للعلاقة بين قوله تعالى* اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وبين قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ... [الآيات: ٣٦- ٣٥].