من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٥ - كونوا أنصار الله
وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ إذن فنوره لا يتم بطوع الناس كلهم، إنما في ظروف من التحدي والصراع بين إرادة الحق وأتباع الباطل، ينتصر فيها حزب الله رغم أعدائه، ورغم كرههم وسعيهم لإطفاء نوره بشتى الوسائل والطرق، فهو ليس محايدا في الصراع بين الحق والباطل، وإن كانت حكمته تقتضي امتحان المؤمنين وتعريضهم للفتنة بعض الأحيان.
ولكن السؤال: هل إن نوره تعالى كان يشكو النقص حتى يكتمل؟. كلا .. فلماذا قال: إنه سيتم نوره؟.
والجواب: إن للنور كمالين: الأول في ذاته، الثاني فيما يتصل بانتشاره، ونور الدين كامل في ذاته، ولكن إنما يتم كمالا بانتشاره في آفاق المعمورة، وذلك بإسقاط كل الحجب التي تمنع اتصال الناس بنور الله. ولعل من مصاديق إتمام النور أن تلتحم مسيرة العقل المزكَّى بالوحي المُنزَل، فيتحول القرآن إلى برامج ومناهج عملية مفصلة تحكم الحياة وتُسَيِّر البشرية على سبيل الهدى والصواب. أفتدري كيف؟، بأن يتكامل عقل الإنسان بزيادة علمه في كافة الحقول حتى يكتشف المزيد من أسرار الدين ويقتنع الجميع بأنه مُنزَل من عند الله، فيصبح الدين ضرورة علمية بعد أن كان ضرورة نفسية واجتماعية، وهنالك يكشف الله الغطاء عن وجه وليه الأعظم مهدي هذه الأمة الذي وعد الرسول بظهوره في آخر الزمان فيملأ الأرض قسطاً وعدلًا بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً.
إذن كتاب الله كامل، وإنما الناس بحاجة إلى الارتفاع إلى مستواه بالتدبر والتعلم حتى يتم الله نوره.
وهذه الآية والتي تليها تحلان جدلا حول مسيرة البشرية هل هي نحو التكامل أو الانحطاط، فحسب النظرية الدينية التقليدية، قال بعضهم: إنها تتجه نحو الانتكاس، واحتجوا على ذلك بأن حوادث القيامة التي تطوى بها صفحة الحياة الدنيا إنما تقع نتيجة لوصول البشرية إلى منتهى الانحراف، ونقل البعض عن النبي ما نصه
«إِنَّ خَيْرَ القُرُونِ قَرْنَيْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَأْتِي أُناسٍ هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ»
[١]، ورووا عن الرسول صلى الله عليه واله قوله
«لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونُ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعَ ..»
[٢]، وانطلقوا من ذلك في تقييم مسيرة الأجيال وأنها تسير نحو الانحطاط.
وقال آخرون: بل الحياة تسير نحو التكامل، وهذا ما نستلهمه من آيات القرآن ومن
[١] تفسير ابن كثير: ج ٣، ص ٣٣١: عن الصحيحين.
[٢] كنز العمال: ج ١٤، ص ٢٢١، حديث: ٣٨٤٧٦.