من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٨ - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
أُنزلت عليهما من عند الله عز وجل أي كلمة تسمح للإنسان بالتحلل من مسؤولياته بتبرير الانتماء إليها، وقد قرؤوا تلك الصحف وعرفوا ما فيها.
إن أبرز ما جاءت به صحف موسى وإبراهيم هو المسؤولية، فكل إنسان مسؤول عن نفسه، ولا يمكنه بحال من الأحوال أن يُلقي بتبعة أعماله على الآخرين أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى والوزر هو الحمل الثقيل. والوازرة هي النفس التي تحمله. ولا تزر أي لا تحمل فكل نفس مثقله بحملها ولا تحمل حمل غيرها أبدا، ولو عرف الإنسان ماذا تعني المسؤولية وكيف تقف كل نفس أمام ربها في يوم القيامة ضعيفة متهاوية القوى لا تملك عذرا ولا قوة، لعرف مدى بطلان فكرة إلقاء المسؤولية على الآخرين بزعم أنهم يتحملونها عنه. كلا إنه موقف رهيب ترى فيه كل نفس تجادل عن نفسها، ولها من شأنها ما يغنيها عن الاهتمام بغيرها.
وهذا السياق من الآيات يضرب فكرة الفداء التي ألصقها النصارى في عيسى عليه السلام حيث قالوا: إنه قُتل ففداهم بنفسه بالرغم من أنه جاء ليقاوم مثل هذا الانحراف عند أتباع موسى.
[٣٩- ٤١] وكما أن أوزار الإنسان لا يتحملها أحد سواه، فإن حسنات الآخرين لا تصير إليه، إنما
«قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ»
[١] كما قال الإمام علي عليه السلام.
وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى والسعي هو ما يقوم به الإنسان بإرادته ووعيه، من قول وفعل وغيرهما. فالتحرك جزء من السعي، والوعي والهدف والنية أجزاء منه أيضا. والإنسان هو الذي يصنع واقعه ومصيره الحقيقي بنفسه، ومهما كان السعي صغيرا أو كبيرا، وفي أي مكان قام به الإنسان فإنه لا بد أن يعود عليه في الدنيا أو في الآخرة. لأن هناك سنة إلهية تحكم الحياة، وهي أن كل شيء يرجع إلى أصله ضمن دورة حياتية قد تطول وقد تقصر. لا بد أن تعود المياه التي تبخرت من البحار إليها بعد رحلة متطاولة من ساعة تحولها إلى البخار حتى نزولها أمطاراً ثم جريانها فوق الأرض ينتفع بها الإنسان.
هكذا عملك الذي ينبعث من جوانح قلبك أو جوارح بدنك لا يفنى. إنه يتقلب في صور شتى قد يتحول مالا فيعود إليك، أو تصبح حالة اجتماعية تتأثر بها، أو يحفظ عند ربك يجازيك غدا به، وهكذا مهما هرب المجرمون من جزاء جرائمهم فإنه ملاقيهم.
ومن طريف ما قرأته في هذا الحقل أن أحد الخلفاء أقام مأدبة وحضر عليها أحد كبار قادته العسكريين فرأى فيما رأى من صنوف الطعام طير القطا مشويًّا، فضحك مقهقها، فسأله الخليفة عن السبب. فحاول أن يكتم. فأصر عليه. فأخذ يقص واقعة حدثت له قبل عشر
[١] بحار الأنوار: ج ١، ص ١٦٥.