من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٧ - كونوا أنصار الله
الذي ينبعث من الشمس ويهزم جيوش الظلام من كل بقعة .. فهي لا تخص زمانا أو مكانا أو تجمُّعاً.
وهكذا تكون هذه البصيرة القرآنية شعلة أمل في أفئدة المؤمنين بالله في كل مواجهة لهم مع الكفر، والطغيان، وتعطيهم روح النصر، وتزودهم بوقود الاستقامة والصبر.
وهكذا كانت هذه البصيرة- ضمن السياق القرآني- تعبئة روحية لمن يريد التجارة مع الله والتفرغ للجهاد في سبيله، بأنه آنئذ يصبح ضمن تيار حركة التاريخ في اتجاه التكامل وإتمام نور الله وإظهاره على الدين كله. بلى، هذه الحقيقة تهدينا أيضاً إلى أن ذلك الأمل يتحقق على أيدي المؤمنين وبما يبذلونه من تضحيات.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ والنجاة من النار أعظم طموحات المؤمنين لعلمهم بأن الإنسان واقع في العذاب ما لم تسعَ للخلاص منها. ويحدد القرآن طريق النجاة في الالتزام بثلاثة شروط أساسية هي: الإيمان بالله، والتسليم للقيادة الإلهية، والجهاد بالمال والنفس من أجل الحق.
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ويبدو أن الله قدم الجهاد بالمال على النفس لأن الإنسان يبدأ بالجهاد بالمال فيصعد درجات في الإيمان إلى أن يصل إلى الجهاد بالنفس، كما أن الجهاد بالمال يهيئ وسائل الجهاد بالنفس. هل رأيت حربا أو مقاومة إلا ويسبقها الإعداد لهما بالسلاح والعتاد والزاد والإعلام، وكلها لا تتحقق إلا بالمال .. وحيث يعتبر البعض الجهاد خسارة للأمة يؤكد القرآن أنه خير عظيم للمجتمع، وأي خير أعظم من العزة، والاستقلال، والحرية، وإقامة حكم الله، وهي كلها من ثماره ونتائجه.
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ وخير الجهاد يعم الإنسان والمجتمع المجاهد في الدارين: في دار الآخرة متمثلا في الغفران، وسكنى الجنة وهو أعظم الخير .. يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، جاء في تفسير هذه الآية خبر مأثور عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال
«قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ فِي الجَنَّةِ، فِي ذَلِكَ القَصْرِ سَبْعُونَ دَاراً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، فِي كُلِّ دَارٍ سَبْعُونَ بَيْتاً مِنْ زُمُرُّدَةٍ حَمْرَاءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيراً، عَلَى كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِرَاشاً مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ امْرَأَةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مَائِدَةً، عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْناً مِنَ الطَّعَامِ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وَصِيفاً وَوَصِيفَةً.
وَقَالَ
فَيُعْطِي اللهُ المُؤْمِنَ مِنَ القُوَّةِ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ»[١].
[١] بحار الأنوار: ج ٨، ص ١٤٩.