من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٤ - فهل من مدكر
قال الإمام الصادق عليه السلام يحكي قصتهم
«هَذَا كَانَ بِمَا كَذَّبُوا صَالِحاً، وَمَا أَهْلَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَوْماً حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ الرُّسُلَ فَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ إِلَيْهِمْ صَالِحاً فَدَعَاهُمْ إِلَى الله فَلَمْ يُجِيبُوهُ، وَعَتَوْا عَلَيْهِ عُتُوّاً، وَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تُخْرِجَ إِلَيْنَا مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ نَاقَةً عُشَرَاءَ [١]، وَكَانَتِ الصَّخْرَةُ يُعَظِّمُونَهَا وَيَعْبُدُونَهَا وَيُذَبِّحُونَ عِنْدَهَا فِي رَأْسِ كُلِّ سَنَةٍ، وَيَجْتَمِعُونَ عِنْدَهَا، فَقَالُوا لَهُ: إِنْ كُنْتَ كَمَا تَزْعُمُ نَبِيّاً رَسُولًا فَادْعُ لَنَا إِلَهَكَ حَتَّى يُخْرِجَ لَنَا مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَأَخْرَجَهَا اللهُ كَمَا طَلَبُوا مِنْهُ.
ثُمَّ أَوْحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ يَاصَالِحُ قُلْ لَهُمْ إِنَّ الله قَدْ جَعَلَ لِهَذِهِ النَّاقَةِ شِرْبَ يَوْمٍ، وَلَكُمْ شِرْبَ يَوْمٍ، فَكَانَتِ النَّاقَةُ إِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهَا شَرِبَتِ المَاءَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَيَحْلُبُونَهَا فَلَا يَبْقَى صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ إِلَّا شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ وَأَصْبَحُوا غَدَوْا إِلَى مَائِهِمْ فَشَرِبُوا مِنْهُ ذَلِكَ اليَوْمَ وَلَمْ تَشْرَبِ النَّاقَةُ ذَلِكَ اليَوْمَ فَمَكَثُوا بِذَلِكَ مَاشَاءَ اللهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ عَتَوْا عَلَى الله وَمَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَقَالُوا: اعْقِرُوا هَذِهِ النَّاقَةَ وَاسْتَرِيحُوا مِنْهَا لَانَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَنَا شِرْبُ يَوْمٍ وَلَهَا شِرْبُ يَوْمٍ، ثُمَّ قَالُوا: مَنِ الَّذِي يَلِي قَتْلَهَا وَنَجْعَلَ لَهُ جُعْلًا مَا أَحَبَّ؟، فَجَاءَهُمْ رَجُلٌ أَحْمَرُ أَشْقَرُ أَزْرَقُ وَلَدُ زِنًا لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ يُقَالُ لَهُ: قُدَارٌ؛ شَقِيٌّ مِنَ الأَشْقِيَاءِ مَشْؤُومٌ عَلَيْهِمْ فَجَعَلُوا لَهُ جُعْلًا، فَلَمَّا تَوَجَّهَتِ النَّاقَةُ إِلَى المَاءِ الَّذِي كَانَتْ تَرِدُهُ تَرَكَهَا حَتَّى شَرِبَتِ المَاءَ وَأَقْبَلَتْ رَاجِعَةً فَقَعَدَ لَهَا فِي طَرِيقِهَا فَضَرَبَهَا بِالسَّيْفِ ضَرْبَةً، فَلَمْ تَعْمَلْ شَيْئاً فَضَرَبَهَا ضَرْبَةً أُخْرَى فَقَتَلَهَا وَخَرَّتْ إِلَى الأَرْضِ عَلَى جَنْبِهَا، وَهَرَبَ فَصِيلُهَا حَتَّى صَعِدَ عَلَى الجَبَلِ فَرَغَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِلَى السَّمَاءِ.
وَأَقْبَلَ قَوْمُ صَالِحٍ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا شَرِكَهُ فِي ضَرْبَتِهِ وَاقْتَسَمُوا لَحمَهَا فِيما بَيْنَهُمْ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ إِلَّا أَكَلَ مِنْهَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ صَالِحٌ أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: يَا قَوْمِ مَا دَعَاكُمْ إِلَى مَا صَنَعْتُمْ أَعَصَيْتُمْ رَبَّكُمْ، فَأَوْحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى صَالِحٍ عليه السلام: أَنَّ قَوْمَكَ قَدْ طَغَوْا وَبَغَوْا وَقَتَلُوا نَاقَةً بَعَثْتُهَا إِلَيْهِمْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيهَا ضَرَرٌ، وَكَانَ لَهُمْ أَعْظَمُ المَنْفَعَةِ، فَقُلْ لَهُمْ: إِنِّي مُرْسِلٌ عَلَيْكُمْ، عَذَابِي إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ هُمْ تَابُوا وَرَجَعُوا قَبِلْتُ تَوْبَتَهُمْ وَصَدَدْتُ عَنْهُمْ، وَإِنْ هُمْ لَمْ يَتُوبُوا وَلَمْ يَرْجِعُوا بَعَثْتُ عَلَيْهِمْ عَذَابِي فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ.
فَأَتَاهُمْ صَالِحٌ عليه السلام فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْمِ إِنِّي رَسُولُ رَبِّكُمْ إِلَيْكُمْ، وَهُوَ يَقُولُ لَكُمْ: إِنْ أَنْتُمْ تُبْتُمْ وَرَجَعْتُمْ وَاسْتَغْفَرْتُمْ، غَفَرْتُ لَكُمْ وَتُبْتُ عَلَيْكُمْ. فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: ذَلِكَ كَانُوا أَعْتَى مَا كَانُوا وَأَخْبَثَ.
وَقَالُوا: يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ؟. قَالَ عليه السلام: يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ تُصْبِحُونَ
[١] العشراء من النوق: التي مضى لحملها عشرة أشهر، أو ثمانية، أو هي كالنفساء من النساء، عشراوات وعشار، أو العشار: اسم يقع على النوق حتى ينتج بعضها، وبعضها ينتظر نتاجها. القاموس المحيط: ج ٢، ص ٩٠.