مستعذب الإخبار بأطيب الأخبار - الفاسي، أبو مدين - الصفحة ١٤٥ - نساؤه
................ ................ ................ ......
- ٢٨٩، فقال: «سهيل بن عمرو بن عبد شمس ...» يكنى أبا زيد، كان أحد الأشراف، من قريش و سادتهم في الجاهلية، أسر يوم «بدر» كافرا، و كان خطيب قريش، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، انزع ثنيتيه، فلا يقوم عليك خطيبا أبدا، فقال (صلى اللّه عليه و سلّم): «دعه فعسى أن يقوم مقاما تحمده».
و كان الذي أسره «مالك بن الدخشم» فقال في ذلك:
أسرت سهيلا فما أبتغي * * * أسيرا به من جميع الأمم
و خندف تعلم أن الفتى * * * سهيلا فتاها إذا تصطلم
ضربت بذي الشفر حتى انثنى * * * و أكرهت سيفي على ذي العلم
قال: فقدم «مكرز حفص بن الأحنف العامري» فقاطعهم، في فدائه، و قال: ضموا رجلي في القيد؛ حتى يأتيكم الفداء، ففعلوا ذلك. و كان «سهيل» أعلم مشقوق الشفة، و هو الذي جاء في الصلح، يوم «الحديبية»، فقال (صلى اللّه عليه و سلّم) «قد سهل لكم من أمركم»، و عقد مع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) الصلح يومئذ، و هو كان متولي ذلك- دون سائر قريش، و هو الذي مدحه «أمية بن أبي الصلت» فقال:
أبا زيد رأيت سيبك واسعا * * * و سجال كفك يستهل و يمطر
و قال فيه «قيس بن الرقيات»:
منهم ذو الندى سهيل بن عمرو * * * عصبة الناس حين جب الوفاء
حاط أخواله خزاعة لما * * * كثّرتهم بمكة الأحياء
و كان المقام الذي قامه، في الإسلام الذي قال فيه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) ل «عمر» «دعه ... إلخ»؛ فكان مقامه في ذلك؛ أنه لما ماج أهل «مكة»، عند وفاة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، و ارتد من ارتد من العرب، قام «سهيل» خطيبا فقال: «و الله إني أعلم أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس، في طلوعها إلى غروبها، فلا يغرنكم هذا من أنفسكم- يعني أبا سفيان-؛ فإنه ليعلم من هذا الأمر ما أعلم؛ و لكنه قد ختم على صدره حسد بني هاشم»، و أتى في خطبته بمثل ما جاء به، أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- بالمدينة؛ فكان ذلك، معنى قول رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) فيه ل «عمر»- رضي الله عنه- و ذكر «الزبير» عن «مصعب» ... قال: جاء «الحارث بن هشام» و «سهيل بن عمرو» إلى «عمر بن الخطاب»، فجلساء، و هو بينهما، فجعل المهاجرون يأتون «عمر» فيقول: هاهنا يا «سهيل» هاهنا، يا حارث، فينحيهما عنه، فجعل الأنصار يأتون، فينحيهما عنه، حتى صارا في آخر الناس فلما خرجا من عند «عمر» قال الحارث لسهيل: أ لم تر ما صنع بنا؟! فقال له سهيل: إنه الرجل لا لوم عليه، ينبغى أن نرجع باللوم على أنفسنا، دعى القوم فأسرعوا، و دعينا فأبطانا، فلما قاموا من عند «عمر»، أتياه فقالا له: يا أمير المؤمنين، قد رأينا ما فعلت بنا اليوم، و علمنا أنا أوتينا من قبل أنفسنا؛ فهل من شيء نستدرك به ما فاتنا؟! فقال: لا أعلم، إلا هذا-