سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٦ - ذكر الهدنة و كيف جرى الصلح يوم الحديبية
ترون ما قد لقيت؟ و كان قد عذّب عذابا شديدا،
فرفع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- صوته و قال: يا أبا جندل، اصبر و احتسب فإنّ اللّه جاعل لك و لمن معك من المستضعفين فرجا و مخرجا، إنّا قد عقدنا مع القوم صلحا و أعطيناهم و أعطونا على ذلك عهدا، و إنّا لا نغدر»
و مشى عمر بن الخطاب إلى جنب أبي جندل، و قال له: اصبر و احتسب فإنّما هم المشركون و إنّما دم أحدهم دم كلب، و جعل عمر يدنى قائم السّيف منه. قال عمر: رجوت أن يأخذ السّيف فيضرب به أباه. قال فضنّ الرّجل بأبيه. [١]
و قد كان أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قد خرجوا و هم لا يشكّون في الفتح لرؤيا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-، فلمّا رأوا ما رأوا من الصّلح و الرجوع و ما تحمل عليه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم حتّى كادوا يهلكون. فزادهم أمر أبي جندل على ما بهم، و نفذت القضية و شهد على الصلح رجال من المسلمين و رجال من المشركين:
أبو بكر و عمر، و عبد الرحمن ابن عوف، و عبد اللّه بن سهيل بن عمرو، و سعد بن أبي وقّاص، و محمود بن مسلمة و عليّ بن أبي طالب- رضي اللّه عنهم- و مكرز بن حفص و هو مشرك.
فلما فرغ من قضيّة الكتاب
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «قوموا فانحروا ثمّ احلقوا» فو اللّه ما قام رجل منهم، حتّى قال ذلك ثلاث مرّات، فاشتدّ ذلك عليه، فدخل على أمّ سلمة فقال:
«هلك المسلمون، أمرتهم أن ينحروا و يحلقوا فلم يفعلوا». و في رواية: «ألا ترين إلى النّاس أمرهم بالأمر فلا يفعلونه- و هم يسمعون كلامي و ينظرون وجهي».
فقالت: يا رسول اللّه، لا تلمهم فإنّهم قد دخلهم أمر عظيم ممّا أدخلت على نفسك من المشقّة في أمر الصّلح، و رجوعهم بغير فتح يا نبي اللّه اخرج و لا تكلّم أحدا كلمة حتّى تنحر بدنك و تدعو حالقك فيحلقك فجلى اللّه- تعالى- عن الناس بأم سلمة- فقام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و اضطبع [٢] بثوبه، فخرج فأخذ الحربة و يمّم هديه و أهوى بالحربة إلى البدن رافعا صوته «بسم اللّه و اللّه أكبر» و نحر، فتواثب المسلمون إلى الهدي و ازدحموا عليه ينحرونه حتى كاد بعضهم يقع على بعض، و أشرك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بين أصحابه في الهدي، فنحر البدنة عن سبعة، و كان هدي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- سبعين بدنة، و كان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثّنيّة، فلما صدّه المشركون ردّ وجوه البدن [٣].
[١] أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٣٠ و البيهقي في دلائل النبوة ٥/ ٣٣١.
[٢] اضطبع: أخذ الإزار أو البرد فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن و يلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره و ظهره، انظر النهاية ٣/ ٧٣.
[٣] أخرجه البخاري ٣/ ٢٥٧ و ابو داود في الجهاد باب ١٦٧ و احمد ٤/ ٣٣١ و البيهقي في الدلائل ٤/ ١٠٦ و عبد الرزاق (٩٧٢٠) و الطبري ٢٦/ ٦٣ و ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٥٠.