سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٠٣ - ذكر عتب جماعة من الأنصار على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- حين أعطى قريشا و لم يعط الأنصار شيئا و جمعه إياهم و استعطافه لهم
أجمعهم، فخرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقال: «هل منكم أحد من غيركم»؟ قالوا: لا يا رسول اللّه إلا ابن أختنا، قال: «ابن أخت القوم منهم» فقام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلّالا فهداكم اللّه- تعالى- و عالة فأغناكم اللّه، و أعداء فألّف بين قلوبكم، و في رواية متفرّقين فألّفكم اللّه؟- قالوا: بلى يا رسول اللّه، اللّه و رسوله أمنّ و أفضل.
و في رواية قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟» قالوا: و ما نقول يا رسول اللّه؟ و ما ذا نجيبك؟ المنّ للّه- تعالى- و لرسوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «و اللّه لو شئتم لقلتم فصدقتم و صدّقتم، جئتنا طريدا فاويناك، و عائلا فأسيناك، و خائفا فأمّنّاك، و مخذولا فنصرناك، و مكذّبا فصدّقناك» فقالوا: المنّ للّه- تعالى- و رسوله، فقال: «و ما حديث بلغني عنكم؟» فسكنوا، فقال: «ما حديث بلغني عنكم»؟ فقال فقهاء الأنصار: أمّا رؤساؤنا فلم يقولوا شيئا، و أمّا أناس منّا حديثة أسنانهم قالوا يغفر اللّه- تعالى- لرسوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يعطي قريشا و يتركنا، و سيوفنا تقطر من دمائهم!! فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «إنّي لأعطي رجالا حديثي عهد بكفر لأتألّفهم بذلك»
[١].
و في رواية إنّ قريشا حديثو عهد بجاهليّة و مصيبة، و إني أردت أن أجبرهم و أتألّفهم، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدّنيا تألّفت بها قوما أسلموا، و وكلتكم إلى ما قسم اللّه- تعالى- لكم من الإسلام، أ فلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب النّاس إلى رحالهم بالشّاة و البعير و تذهبون برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إلى رحالكم تحوزونه إلى بيوتكم، فو اللّه لمن تنقلبون به خير ممّا ينقلبون به، فو الّذي نفسي بيده لو أنّ النّاس سلكوا شعبا و سلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار.
و في رواية لو سلك النّاس واديا و سلكت الأنصار شعبا- أنتم الشّعار و النّاس دثار، الأنصار كرشي و عيبتيّ، و لو لا أنّها الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، اللهمّ ارحم الأنصار، و أبناء الأنصار فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، و قالوا: رضينا باللّه و رسوله حظّا و قسما.
و ذكر محمد بن عمر أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أراد حين إذ دعاهم أن يكتب بالبحرين لهم خاصة بعده دون الناس، و هي يومئذ أفضل ما فتح عليه من الأرض، فقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا بعدك، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «إنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»
و كان حسان بن ثابت- رضي اللّه عنه- قال قبل جمع النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- الأنصار.
[١] أخرجه البخاري (٣١٤٦، ٣١٤٧، ٣٥٢٨، ٣٧٧٨، ٣٧٩٣، ٤٣٣١، ٤٣٣٢، ٤٣٣٣، ٤٣٣٤).