سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٩ - تنبيهات
لأتقى»، و رواية ابن إسحاق: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق و أصوم و أصلي و أعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به. و عند الواقدي من حديث ابن عباس: قال عمر:
لقد أعتقت بسبب ذلك رقابا و صمت دهرا، و أما قوله: و لم يكن شكّ، فإن أراد نفي الشّكّ فواضح، و قد وقع في رواية ابن إسحاق أنّ أبا بكر لمّا قال له الزم غرزه فإنه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-، قال عمر: أنا أشهد أنه رسول اللّه، و إن أراد نفي الشك في وجود المصلحة و عدمها فمردود، و قد قال السّهيلي- (رحمه اللّه)- هذا الشّكّ ما لا يستمر صاحبه عليه، و إنما هو من باب الوسوسة، كذا قال الحافظ. و الذي يظهر أنه توقّف معه ليقف على الحكمة في القصّة، و تنكشف عنه الشبهة، و نظيره قصته في الصلاة على عبد اللّه بن أبيّ، و إن كان في الأول لم يطابق اجتهاده الحكم، بخلاف الثّانية، و هي هذه القصة، و إنما عمل الأعمال المذكورة لهذه، و إلا فجميع ما صدر منه كان معذورا فيه، بل هو مأجور، لأنه مجتهد فيه.
الخامس و الثلاثون: إنّما توقّف المسلمون في النّحر و الحلق بعد الأمر بهما، لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للنّدب، أو لرجاء نزول الوحي بإبطال الصلح المذكور، و تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم، و يسوغ لهم ذلك، لأنه كان زمان وقوع التشريع. و يحتمل أن يكونوا أبهتهم صورة الحال فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذّل عند أنفسهم مع ظهور قوّتهم و اقتدارهم- في اعتقادهم- على بلوغ غرضهم و قضاء نسكهم بالقهر و الغلبة، و أخّروا الامتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقضي الفور، و يحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم كما سبق في القصة من كلام أم سلمة- رضي اللّه عنها- في قولها «لا تلمهم» إلخ.
السادس و الثلاثون: في كلامه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لأمّ سلمة في توقف الناس عن امتثال أمره، جواز مشاورة الأمر المرأة الفاضلة، و فضل أم سلمة و وفور عقلها، حتى قال إمام الحرمين: لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إلا أمّ سلمة، كذا قال و قد استدرك بعضهم عليه بنت شعيب في أمر موسى.
السابع و الثلاثون: لا يعدّ ما وقع من أبي بصير من قتله الرّجل الذي جاء في طلبه غدرا لأنه لم يكن في جملة من دخل في المعاقدة التي بين النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و بين قريش، إلا أنه إذ ذاك كان محبوسا بمكة، لكنه لمّا خشي أنّ المشرك يعيده إلى المشركين درأ عن نفسه بقتله، و دافع عن دينه بذلك، و لم ينكر عليه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ذلك.
الثامن و الثلاثون: في حديث المسور، و مروان بعد ذكر قصة أبي بصير، فأنزل اللّه- تعالى: وَ هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ [الفتح ٢٤] ظاهره أنها نزلت في