سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٤ - ذكر حديث كعب بن مالك و أصحابه- رضي اللّه عنهم
و الثمار، و لم يزل يتمادى بي الحاذ حتى اشتد بالناس الجدّ، فأصبح رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- غاديا و المسلمون معه يوم الخميس، و لم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت و لم أقض شيئا. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أمعن القوم و أسرعوا و تفارط الغزو، و هممت أن أرتحل فأدركهم- وليتني فعلت-!! فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلّا رجلا مغموصا عليه بالنفاق، أو رجلا ممّن عذّر اللّه- تعالى- من الضعفاء- و عند عبد الرزاق: و كان جميع من تخلّف عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بضعة و ثمانين رجلا- و لم يذكرني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- حتى بلغ تبوك. فقال و هو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب ابن مالك؟» فقال رجل من بني سلمة، و في رواية من قومي- قال محمد بن عمر: هو عبد اللّه بن أنيس السّلمي- بفتح اللام- لا الجهني: يا رسول اللّه حبسه برداه و نظره في عطفيه. فقال معاذ بن جبل- قال محمد بن عمر: و هو أثبت، و يقال: أبو قتادة: بئس ما قلت! و اللّه يا رسول اللّه ما علمت عليه إلا خيرا. فسكت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-.
قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- توجه قافلا حضرني همي، و طفقت أعد عذرا لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و أهيئ الكلام، و أقول: بما ذا أخرج من سخطه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- غدا، و استعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قد أطلّ قادما زاح عني الباطل، و عرفت أني لم أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، و عرفت أنه لا ينجيني منه إلا الصدق، و أصبح رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قادما،
قال ابن سعد: في رمضان، قال كعب: و كان إذا قدم من سفر لا يقدم إلا في الضحى فيبدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم يدخل على فاطمة ثم على أزواجه، فبدأ بالمسجد فركعهما، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلّفون فطفقوا يعتذرون إليه، و يحلفون له، و كانوا بضعة و ثمانين رجلا، فقبل منهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- علانيتهم و بايعهم و استغفر لهم و وكل سرائرهم إلى اللّه تعالى، فجئته، فلما سلمت عليه، تبسم تبسّم المغضب، فقال: «تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه- و عند ابن عائذ: فأعرض عنه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقال: يا نبي اللّه، لم تعرض عني؟
فو اللّه ما نافقت، و لا ارتبت، و لا بدّلت- قال كعب: فقال لي: «ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» فقلت: بلى إني و اللّه يا رسول اللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، و لقد أعطيت جدلا، و لكني- و اللّه- لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن اللّه تعالى أن يسخطك على، و لئن حدّثتك اليوم حديث صدق تجد عليّ فيه، إني لأرجو فيه عفو اللّه عني، لا و اللّه ما كان لي من عذر، و اللّه ما كنت قط أقوى و لا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «أمّا هذا فقد صدق، فقم