سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٥٨ - ذكر إرساله- (صلّى اللّه عليه و سلم)- دحية إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام و قدوم رسول هرقل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و ما وقع في ذلك من الآيات
أرضنا فهلم فلنتبعه على دينه، أو نعطه مالنا على أرضنا، فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم و قالوا: تدعونا أن نذر النصرانية أو نكون عبيدا لأعرابي جاء من الحجاز؟ فلما ظن أنهم إذا خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رقّاهم و لم يكد و قال: إنما قلت ذلك لأعلم صلابتكم على أمركم، ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب قال. ادع لي رجلا حافظا للحديث عربيّ اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه، فجاءني فدفع إليّ هرقل كتابا، فقال: اذهب بكتابي هذا إلى هذا الرجل، فما سمعته من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال هل يذكر صحيفته التي كتب بشيء؟ و انظر إذا قرأ كتابي هذا هل يذكر الليل؟
و انظر في ظهره هل فيه شيء يريبك؟ قال: فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا فإذا هو جالس بين ظهري أصحابه محتبيا على الماء، فقلت: أين صاحبكم؟ قيل ها هو ذا، قال فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال: «ممن أنت؟» فقلت: أنا أخو تنوخ، فقال: «هل لك في الإسلام. الحنيفية ملة أبيك إبراهيم؟» فقلت: إني رسول قوم و على دين قوم [لا أرجع عنه] حتى أرجع إليهم. فضحك و قال إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص ٥٦] يا أخا تنوخ، إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه، و اللّه ممزّقه و ممزّق ملكه، و كتبت إلى النجاشي بصحيفة فمزقها، و اللّه ممزّقه و ممزّق ملكه. و كتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير قلت: هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي، فأخذت سهما من جعبتي فكتبتها في جفن سيفي، ثم ناول الصحيفة رجلا عن يساره، قلت: من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم؟ قالوا: معاوية. فإذا في كتاب صاحبي: تدعوني إلى جنة عرضها السماوات و الأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «سبحان اللّه أين النهار إذا جاء الليل»
قال:
فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جفن سيفي، فلم فرغ من قراءة كتابي قال: «إن لك حقا، و إنك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا سفر مرملون» قال قتادة فناداه رجل من طائفة الناس قال: أنا أجوزه ففتح رحله فإذا هو بحلة صفورية فوضعها في حجري، قلت من صاحب الجائزة؟ قيل لي: عثمان، ثم
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «أيكم ينزل هذا الرجل؟» فقال فتى من الأنصار: أنا، فقام الأنصاري و قمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقال: «تعال يا أخا تنوخ» فأقبلت أهوى حتى كنت قائما في مجلسي الذي كنت بين يديه، فحل حبوته عن ظهره و قال: «ها هنا امض لما أمرت له، فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم النبوة في موضع غضروف الكتف مثل المحجمة الضخمة»
[١].
[١] قال الحافظ ابن كثير ٥/ ١٦ «هذا حديث غريب و إسناده لا بأس به، تفرد به الإمام أحمد».