سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٥١ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)- تبوك و اتخاذه مسجدا
و العين مثل الشراك تبضّ بشيء من مائها، فسألهما رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «هل مسستما من مائها شيئا» قالا: نعم. فسبّهما و قال لهما «ما شاء اللّه أن يقول، ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شنّ، ثم غسل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فيه وجهه و يديه و مضمض ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير. و لفظ ابن إسحاق فانخرق الماء حتى كان يقول من سمعه: إنّ له حسّا كحس الصواعق و ذلك الماء فوارة تبوك. انتهى، فاستسقى الناس، ثم قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-:
«يا معاذ يوشك أن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا ملئ جنانا».
و روى البيهقي و أبو نعيم عن عروة أن النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- حين نزل تبوك- و كان في زمان قلّ ماؤها فيه فاغترف غرفة بيده من ماء فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها ففارت عينها حتى امتلأت. فهي كذلك حتى الساعة [١].
و روى الخطيب في كتاب الرواة عن الإمام مالك عن جابر- رضي اللّه عنه- قال: انتهى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إلى تبوك و عينها تبضّ بماء يسير مثل الشراك فشكونا العطش، فأمرهم فجعلوا فيها ما دفعها إليهم فجاشت بالماء، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لمعاذ: «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا»
[٢].
ذكر نومه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- حتى طلعت الشمس قبل وصوله إلى تبوك
روى البيهقي عن عقبة بن عامر- رضي اللّه عنه- قال: خرجنا مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في غزوة تبوك، فلما كان منها على ليلة استرقد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح قال «ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر» فقال يا رسول اللّه ذهب بي النوم، و ذهب بي مثل الذي ذهب بك، قال: فانتقل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- من منزله غير بعيد، ثم صلى، و سار مسرعا بقية يومه و ليلته فأصبح بتبوك.
ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)- تبوك و اتخاذه مسجدا
قال شيوخ محمد بن عمر: لما انتهى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إلى تبوك وضع حجرا قبلة مسجد تبوك و أومأ بيده إلى الحجر و ما يليه ثم صلى بالناس الظهر، ثم أقبل عليهم فقال: «ما ها هنا شام، و ما ها هنا يمن».
[١] البيهقي في الدلائل ٥/ ٢٢٦.
[٢] أخرجه مسلم ٤/ ١٧٨٤- ١٧٨٥ حديث (١٠/ ٧٠٦) و أحمد ٥/ ٢٣٨ و ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (٥٤٩)، و البيهقي في الدلائل ٥/ ٢٣٦ و ابن خزيمة (٩٦٨) و مالك في الموطأ ١٤٤، و انظر كنز العمال (٣٥٣٩٨).