سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١٠ - تنبيهات
و تجتمع على محبته، لأنها جبلت على حبّ من أحسن إليها، و منع أهل الجهاد من كبار المجاهدين و رؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها، لأنه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصورا عليهم بخلاف قسمه على المؤلفة لأن فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم، فلما كان ذلك العطاء سببا لدخولهم في الإسلام و لتقوية قلب من دخل إليه قبل، تبعهم من دونهم في الدخول، فكان ذلك مصلحة عظيمة.
الخامس: ما وقع في قصة الأنصار، اعتذر رؤساؤهم بأن ذلك من بعض أتباعهم و أحداثهم، و لمّا شرح لهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ما خفي عليهم من الحكمة فيما صنعوا رجعوا مذعنين، و علموا أن الغنيمة العظيمة: ما حصل لهم من عود رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إلى بلادهم.
فسلوا عن الشاة و البعير و السبايا بما حازوه من الفوز العظيم و مجاوره النبي الكريم حيّا و ميّتا، و هذا دأب الحكيم يعطي كلّ أحد ما يناسبه.
السادس: رتّب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ما منّ اللّه- تعالى- به على الأنصار على يديه من النّعم ترتيبا بالغا، فبدأ بنعمة الإيمان الّتي لا يوازنها شيء من أمور الدّنيا، و ثنّى بنعمة الإيمان و هي أعظم من نعمة المال، لأن الأموال قد تبذل في تحصيلها و قد لا تحصل، فقد كانت الأنصار في غاية التّنافر و التقاطع لما وقع بينهم من حرب بعاث و غيرها، فزال ذلك بالإسلام كما قال تعالى: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال ٦٣].
السابع:
قوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «لو لا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار».
قال الخطابي: أراد بهذا الكلام: تأليف الأنصار و استطابة نفوسهم و الثناء عليهم في دينهم، حتى رضي أن يكون واحدا منهم لو لا ما منعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها و نسبة الإنسان تقع على وجوه: الولادة و الاعتقادية و البلادية و الصناعية، و لا شك أنه لم يرد الانتقال عن نسب آبائه لأنه ممتنع قطعا، و أما الاعتقادي فلا معنى للانتقال عنه فلم يبق إلا القسمان الأخيران، كانت المدينة دار الأنصار و الهجرة إليها أمرا واجبا، أي لو لا أن النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم.
و قال القرطبي: معناه لتسميت باسمكم و انتسبت إليكم لما كانوا يتناسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة و ترتيبها سبقت فمنعت ما سوى ذلك، و هي أعلى و أشرف فلا تبدل بغيرها.
الثامن:
قوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «لسلكت وادي الأنصار» أو «شعب الأنصار»
أراد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بهذا أو ما بعده التنبيه على جزيل ما حصل للأنصار من ثواب النّصرة و القناعة باللّه