سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤ - الباب العشرون في غزوة بني قريظة
فاتكأ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- على عرف الدّابّة، فقال: يا رسول اللّه، ما أسرعتم ما حللتم، عذيرك من محارب! عفا اللّه عنك، و في لفظ غفر اللّه لك، أوقد وضعتم السّلاح قبل أن نضعه؟ فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «نعم قال: فو اللّه ما وضعناه، و في لفظ: «ما وضعت الملائكة السّلاح منذ نزل بك العدوّ. و ما رجعنا الآن إلّا من طلب القوم حتّى بلغنا حمراء الأسد- يعني الأحزاب- و قد هزمهم اللّه تعالى، و إنّ اللّه- تعالى- يأمرك بقتال بني قريظة، و أنا عامد إليهم بمن معي من الملائكة لأزلزل بهم الحصون، فاخرج بالنّاس».
قال حميد بن هلال: فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «فإنّ في أصحابي جهدا فلو أنظرتهم أيّاما
قال جبريل: انهض إليهم، فو اللّه لأدقّنهم كدقّ البيض على الصّفا لأضعضعنّها، فأدبر جبريل و من معه من الملائكة حتّى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار. قال أنس- رضي اللّه عنه- فيما رواه البخاري: كأنّي أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم- موكب جبريل حين سار إلى بني قريظة [١] .. انتهى.
قالت عائشة: فرجعت، فلمّا دخل قلت يا رسول اللّه- من ذاك الرّجل الّذي كنت تكلّمه؟ قال: «و رأيته»؟ قلت نعم، قال، «لمن تشبّهت»؟ قلت: بدحية بن خليفة الكلبي، قال:
«ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة».
قال قتادة فيما رواه ابن عائذ: إن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم) بعث يومئذ مناديا ينادى «يا خيل اللّه اركبي» و أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بلالا فأذّن في النّاس: «من كان سامعا مطيعا فلا يصلّين العصر إلّا ببني قريظة».
و روى الشيخان عن ابن عمر، و البيهقيّ عن عائشة، و البيهقيّ عن الزّهريّ و عن ابن عقبة، و الطّبرانيّ عن كعب بن مالك: أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قال لأصحابه: «عزمت عليكم ألّا تصلّوا صلاة العصر».
و وقع في مسلم في حديث ابن عمر صلاة الظّهر فأدرك بعضهم صلاة العصر، و في لفظ الظهر في الطّريق، فقال بعضهم: لا نصلّيها حتّى نأتي بني قريظة، إنّا لفي عزيمة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و ما علينا من إثم، فصلّوا العصر ببني قريظة حين و صلوها بعد غروب الشمس. و قال بعضهم: بل نصلّي، لم يرد منّا أن ندع الصّلاة، فصلّوا، فذكر ذلك لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فلم يعنّف واحدا من الفريقين، و دعا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- عليّ بن أبي طالب فدفع إليه لواءه، و كان اللّواء على حاله لم يحلّ من مرجعه من الخندق، فابتدره النّاس [٢].
[١] انظر البخاري ٧/ ٤٧٠ (٤١١٧).
[٢] أخرجه البخاري ١/ ٤٧١ (٤١١٨) و أخرج عبد الرزاق في المصنف (٩٧٣٧) و البيهقي في دلائل النبوة ٤/ ٨ و ابن كثير في البداية ٤/ ١١٧، و انظر مجمع الزوائد ٦/ ١٤٣.