سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧٣ - تنبيهات
قوله: و كان البيت يومئذ، لأنّ فيه إشعارا بأنّه تغيّر عن هيئته الأولى. قال الكرماني: لفظ العمود جنس يشمل الواحد و الاثنين فهو مجمل بيّنته رواية «و عمودين» و يحتمل أن يقال: لم تكن الأعمدة الثّلاثة على سمت واحد، بل اثنان على سمت، و الثالث على غير سمتهما، و لفظ المقدّمين في الحديث السابق مشعر به قال الحافظ: و يؤيده رواية مجاهد عن ابن عمر عند البخاري في باب «و اتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى»، «فإن فيها بين السّاريتين اللّتين عن يسار الدّاخل» و هو صريح في أنه كان هناك عمودان على اليسار، و أنّه صلّى بينهما، فيحتمل أنه كان ثمّ عمود آخر عن اليمين، لكنّه بعيد أو على غير سمت العمودين فيصحّ قول من قال:
جعل عن يمينه عمودين، و قول من قال: جعل عمودا عن يمينه، و جوّز الكرماني احتمالا آخر، و هو أن يكون هناك ثلاثة أعمدة مصطفّة، فصلّى إلى جنب الأوسط فمن قال: جعل عمودا عن يمينه و عمودا عن يساره لم يعتبر الّذي صلّى إلى جنبه، و من قال: عمودين اعتبره و جمع بعض المتأخّرين باحتمال تعدّد الواقعة، و هو بعيد لاتحاد مخرج الحديث، و قد جزم البيهقيّ بترجيح رواية أنه جعل عمودين عن يمينه و عمودا عن يساره. و قال المحبّ الطبري في صفوة القرى إنه الأظهر.
العشرون: لا خلاف في دخوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)- الكعبة يوم الفتح، و تقدّم في التنبيه الثامن عشر: أنّه دخل في ثاني الفتح، و ذكر بعضهم أنّه دخلها في عمرة القضيّة، و الصّحيح خلافه، فقد قال البخاري عن عبد اللّه بن أبي أوفى- رضي اللّه عنه- أنه لم يدخلها، و ذكر بعضهم أنّه دخلها في عمرة القضيّة و حجة الوداع، و سيأتي هناك تحقيق ذلك إن شاء اللّه تعالى.
الحادي و العشرون: اختلف في قدر إقامته- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بمكة كما تقدّم في القصة، و جمع الإمام البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال تسع عشرة عدّ يوم الدّخول و الخروج، و من قال سبع عشرة حذفهما، و من قال ثماني عشرة عدّ أحدهما. و أما رواية خمس عشرة فضعفّها النّوويّ من الخلاصة. قال الحافظ: و ليس بجيّد لأنّ رواتها ثقات، و لم ينفرد بها ابن إسحاق كما تقدم بيانه في القصة، و إذا ثبت أنّها صحيحة فلتحمل على أن الرّاوي ظنّ أنّ الأصل سبع عشرة فحذف منها يومي الدّخول و الخروج، فذكر أنها خمسة عشر، و اقتضى ذلك أن رواية تسع عشرة، أرجح الرّوايات، و يرجّحها أيضا أنّها أكثر الرّوايات الصّحيحة، قال الحافظ: و حديث أنس لا يعارض حديث ابن عبّاس أي السّابق في آخر القصّة، لأن حديث ابن عبّاس في الفتح و حديث أنس كان في حجّة الوداع، و بسط الكلام على بيان ذلك، و قال في موضع آخر: الذي أعتقده أنّ حديث أنس إنّما هو في حجّة الوداع فإنها هي السفرة الّتي أقام فيها بمكّة عشرة أيام، لأنّه دخل اليوم الرابع و خرج اليوم الرابع عشر، ثمّ قال الحافظ: و لعلّ