سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥١ - الباب العاشر في حزن إبليس و حجبه من السموات و ما سمع من الهواتف لما ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
تردّى لمولود أضاءت لنوره* * * جميع فجاج الأرض بالشّرق و الغرب
و خرّت له الأوثان طرّا و أرعدت* * * قلوب ملوك الأرض طرّا من الرّعب
و نار جميع الفرس باخت (٣) و أظلمت* * * و قد بات شاه الفرس في أعظم الكرب
و صدّت عن الكهّان بالغيب جنّها* * * فلا مخبر منهم بحقّ و لا كذب
فيا لقصيّ ارجعوا عن ضلالكم* * * و هبّوا إلى الإسلام و المنزل الرّحب
الفجاج: جمع فج و هو الطريق الواسع بين الجبلين. و قيل في جبل. باخت: خمدت.
هبّ النائم هبّا و هبوبا: استيقظ.
و روى الخرائطي عن أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما قالت: كان زيد بن عمرو بن نفيل و ورقة بن نوفل يذكران أنهما أتيا النجاشيّ بعد رجوع أبرهة من مكة، قالا: فلما دخلنا عليه قال: اصدقاني أيّها القرشيّان: هل ولد فيكم مولود أراد أبوه ذبحه فضرب عليه بالقداح فسلم و نحرت عنه جمال كثيرة؟ فقلنا نعم. قال: فهل لكما علم به ما فعل؟ قلنا: تزوّج امرأة منا يقال لها آمنة تركها حاملا و خرج. قال: فهل تعلمان ولدت أم لا؟ قال ورقة: أخبرك أيها الملك. إني قد قربت عند وثن لنا إذ سمعت من جوفه هاتفا يقول:
ولد النّبيّ فذلّت الأملاك* * * و نأى الضّلال و أدبر الإشراك
ثم تنكّس الصنم على رأسه. فقال زيد: عندي خبره أيها الملك، إني في مثل هذه الليلة خرجت حتى أتيت جبل أبي قبيس إذ رأيت رجلا ينزل له جناحان أخضران فوقف على أبي قبيس ثم أشرف على مكة فقال: ذلّ الشيطان و بطلت الأوثان و ولد الأمين. ثم نشر ثوبا معه و أهوى به نحو المشرق و المغرب فرأيته قد جلّل ما تحت السماء و سطع نور كاد يخطف بصري، و هالني ما رأيت و خفق الهاتف بجناحيه حتى سقط على الكعبة فسطع له نور أشرقت له تهامة و قال: زكت الأرض و أدّت ربيعها. و أومأ إلى الأصنام التي كانت على الكعبة فسقطت كلها.
قال النجاشي: أخبركما عما أصابني: إني لنائم في الليلة التي ذكرتما في قبّتي وقت خلوتي إذ خرج عليّ من الأرض عنق و رأس و هو يقول: حلّ الويل بأصحاب الفيل، رمتهم طير أبابيل بحجارة من سجّيل، هلك الأشرم المعتدي المجرم، و ولد النبي المكي الحرمي، من أجابه سعد و من أباه عند، ثم دخل الأرض فغاب فذهبت أصيح فلم أطق الكلام و رمت القيام فلم أطق القيام فأتاني أهل فقلت: احجبوا عني الحبشة فحجبوهم فأطلق اللّه لساني و رجلي.
و روى ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنه قال: لما ولد