سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٥ - الباب الرابع في شرح أسماء آبائه (صلّى اللّه عليه و سلم) و بعض أحوالهم على وجه الاختصار
شئت كيف تصنع. قال: ليأخذ كلّ رجل منكم قدحا ثم يكتب فيه اسمه، ثم ائتوني ففعلوا، فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة و كان على بئر في جوف الكعبة. و كانت البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، و كان عند هبل قداح سبعة بها يضربون على ما يريدون و إلى ما يخرج ينتهون في أمورهم. فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بنيّ هؤلاء بقداحهم هذه. و أخبره بنذره الذي نذر. و أعطاه كلّ رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه. قال ابن إسحاق (رحمه اللّه تعالى): و كان عبد اللّه بن عبد المطلب أصغر بني أبيه و أحبّهم إليه، و كان عبد المطلب يرى أن السّهم إذا أخطأه فقد أشوى. فلما أخذ صاحب القداح ليضرب بها قام عبد المطلب عند هبل يدعو اللّه تعالى، ثم ضرب صاحب القداح القداح، فخرج السهم على عبد اللّه فأخذ عبد المطلب بيده و أخذ الشّفرة ثم أقبل به إلى إساف و نائلة ليذبحه، فجذب العباس عبد اللّه من تحت رجل أبيه حين وضعها عليه ليذبحه، فيقال إنه شجّ وجهه شجة لم تزل على وجه عبد اللّه حتى مات، فقامت إليه قريش من أنديتها و قالوا: ما ذا تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه. فقالت له قريش و بنوه: و اللّه لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه، فما بقاء الناس على هذا؟ و قال له المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم، و كان عبد اللّه ابن أخت القوم: و اللّه لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه. و قالت قريش و بنوه: لا تفعل و انطلق إلى الحجاز فإن به عرّافة لها تابع من الجن فتسألها ثم أنت بعد ذلك على رأس أمرك، إن أمرتك بذبحه ذبحته، و إن أمرتك بأمر لك و له فيه فرج فعلته.
فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوها بخيبر، فركبوا حتى جاءوها فسألوها، و قصّ عليها عبد المطلب خبره و خبر ابنه و ما أراد به في نذره. فقالت لهم: ارجعوا عنّي اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله. فرجعوا من عندها فلما خرجوا من عندها قام عبد المطلب يدعو اللّه تعالى، ثم غدوا عليها فقالت لهم: قد جاءني الخبر، كم الدّية فيكم؟ قالوا: عشرة من الإبل.
و كانت كذلك. قالت: فارجعوا إلى بلادكم ثم قرّبوا صاحبكم و قرّبوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليه و عليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل، حتى يرضى ربكم، و إن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضي ربكم و نجا صاحبكم.
فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا لذلك قام عبد المطلب يدعو اللّه، فقرّبوا عبد اللّه و عشرة من الإبل، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد اللّه، فزادوا عشرا من الإبل فبلغت الإبل عشرين، فقام عبد المطلب يدعو اللّه ثم ضربوا القدح فخرج على عبد اللّه، فزادوا عشرا من الإبل، و ما زالوا كذلك يزيدون عشرا فعشرا من الإبل و يضربون عليها بالقداح، كلّ ذلك يخرج