سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩٢ - الباب السادس في أخذ الميثاق على النبيين، آدم فمن دونه من الأنبياء أن يؤمنوا به (صلّى اللّه عليه و سلم) و ينصروه إذا بعث فيهم
على قبول المحلّ و توقّف أهليّة الفاعل، فهنا لا توقّف من جهة الفاعل و لا من جهة ذات النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) الشريفة، و إنّما هو من جهة وجود العصر المشتمل عليه، فلو وجد في عصرهم لزمهم اتّباعه بلا شك، و لهذا يأتي عيسى (صلّى اللّه عليه و سلم) في آخر الزمان على شريعته (صلّى اللّه عليه و سلم)، و هو نبيّ كريم، لا كما يظنّ بعض الناس أنه يأتي واحدا من هذه الأمة، نعم هو واحد من هذه الأمة لما قلنا من اتباعه للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و إنّما يحكم بشريعة نبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه و سلم) بالقرآن و السنة، فكل ما فيهما من أمر و نهي فهو متعلق به كما يتعلّق بسائر هذه الأمة، و هو نبيّ كريم على حاله لم ينقص منه شيء و لذلك لو بعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في زمانه أو زمان موسى و إبراهيم و نوح و آدم كانوا مستمرّين على نبوّتهم و رسالتهم إلى أممهم، و النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) نبي اللّه و رسوله إلى جميعهم، فنبوّته و رسالته أعمّ و أشمل و أعظم، و يتفق مع شرائعهم في الأصول لأنها لا تختلف، و تقدم شريعته فيما عساه يقع الاختلاف فيه من الفروع، إما على سبيل التخصيص و إما على سبيل النّسخ أو لا نسخ و لا تخصيص بل تكون شريعة النبي في تلك الأوقات بالنسبة إلى تلك الأمم مما جاءت به أنبياؤهم، و في هذا الوقت بالنسبة إلى هذه الأمة الشريفة، و الأحكام تختلف باختلاف الأشخاص و الأوقات. انتهى كلامه رضي اللّه تعالى عنه و أرضاه.
فإن قيل: قال اللّه سبحانه و تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ.
فالجواب: بأن هداهم من اللّه و هو شرعه (صلّى اللّه عليه و سلم)، أي الزم شرعك الذي ظهر به نوّابك، من إقامة الدين و عدم التفرقة فيه و لم يقل اللّه بهم اقتده و كذا قال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً و هو الدين، فهو (صلّى اللّه عليه و سلم) مأمور باتباع الدين، فإن أصل الدين إنما هو من اللّه تعالى لا من غيره، و أين هذا من قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «لو كان موسى حيّا ما وسعه إلّا أن يتّبعني» فأضاف الاتّباع إليه، و أمر هو (صلّى اللّه عليه و سلم) باتباع الدين لا باتباع الأنبياء، فإن السلطان الأعظم إذا حضر لا يبقى لنائب من نوّابه حكم إلّا له، فإذا غاب حكم النّواب بمراسيمه، فهو الحاكم في الحقيقة غيبة و شهادة.
فإنّك شمس و الملوك كواكب* * * إذا ظهرت لم يبد منهنّ كوكب
[١] و قد أشار إلى ذلك المعنى البوصيريّ [٢]، و توفي قبل مولد السّبكي (رحمهما اللّه تعالى):
[١] القصيدة مطلعها:
أتاني- أبيت اللعن- أنك لمتني* * * و تلك التي أهتم منها و أنصب
انظر ديوان النابغة ص ٧٣، و أسرار البلاغة ١٢٧، و العقد الفريد ٢/ ٢٢.
[٢] محمد بن سعيد بن حماد بن عبد اللّه الصنهاجي البوصيري المصري، شرف الدين، أبو عبد اللّه: شاعر، حسن الديباجة، مليح المعاني، و وفاته بالإسكندرية. له «ديوان شعر» توفي سنة ٦٩٦ ه، الأعلام ٦/ ١٣٩، و فوات الوفيات ٢/ ٢٠٥.