سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٨ - الباب الثالث في تقدم نبوته (صلّى اللّه عليه و سلم) على نفخ الروح في آدم (صلّى اللّه عليهما و سلّم)
و المعنى: كتبت خاتم الأنبياء في الحال الذي آدم مطروح على الأرض حاصل في أثناء تخلّقه لمّا يفرغ من تصويره و إجراء الروح.
و قال الحافظ أبو الفرج ابن رجب [١] (رحمه اللّه تعالى) في اللطائف: المقصود من هذا الحديث أن نبوة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) كانت مذكورة معروفة من قبل أن يخلقه اللّه تعالى و يخرجه إلى دار الدنيا حيّا، و أن ذلك كان مكتوبا في أم الكتاب من قبل نفخ الروح في آدم (صلّى اللّه عليه و سلم)، و فسّر أمّ الكتاب باللّوح المحفوظ و بالذّكر في قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ.
و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه سأل عن أمّ الكتاب فقال: علم اللّه ما هو خالق و ما خلقه عاملون، فقال لعلمه كن كتابا. فكان كتابا.
و لا ريب أن علم اللّه تعالى قديم أزلي لم يزل عالما بما يحدثه من خلقه، ثم إن اللّه تعالى كتب ذلك عنده في كتاب عنده قبل أن يخلق السماوات و الأرض كما قال تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.
و في صحيح البخاري [٢] عن عمران بن حصين [٣] رضي اللّه تعالى عنه عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «كان اللّه و لا شيء قبله، و كان عرشه على الماء، و كتب في الذكر كلّ شيء، ثم خلق السماوات و الأرض»
[٤].
و قوله في هذا الحديث:
«إنّي عند اللّه في أمّ الكتاب»
ليس المراد به- و اللّه أعلم- أنه حينئذ كتب في أمّ الكتاب ختمه للنبيين و إنما المراد الإخبار عن كون ذلك مكتوبا في أمّ الكتاب في ذلك الحال قبل نفخ الروح في آدم و هو أول ما خلق اللّه تعالى من النوع الإنساني.
و جاء في أحاديث أخر أنه في تلك الحالة وجبت له (صلّى اللّه عليه و سلم) النبوة. و هذه مرتبة ثالثة و هو
[١] عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السّلامي البغدادي ثم الدمشقي، أبو الفرج، زين الدين: حافظ للحديث، من العلماء.
ولد في بغداد و نشأ و توفي في دمشق. من كتبه «شرح جامع الترمذي» و «جامع العلوم و الحكم» و «فضائل الشام- خ» و «الاستخراج لأحكام الخراج» و «القواعد الفقهية» و «لطائف المعارف» و «فتح الباري، شرح صحيح البخاري» لم يتمه، و «ذيل طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى» و «الاقتباس من مشكاة وصية النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) لابن عباس» و «أهوال القبور» و «كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة- ط» و غير ذلك توفي سنة ٧٩٥ ه. الأعلام ٣/ ٢٩٥.
[٢] محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي، أبو عبد اللّه البخاري، جبل الحفظ، و إمام الدنيا، ثقة الحديث، من الحادية عشرة، مات سنة ست و خمسين، في شوال، و له اثنتان و ستون سنة التقريب ٢/ ١٤٤.
[٣] عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي، أبو نجيد، أسلم عام خيبر، و صحب، و كان فاضلا، مات سنة اثنتين و خمسين بالبصرة. التقريب ٢/ ٨٢.
[٤] أخرجه البخاري ٤/ ٢٢٢، كتاب بدء الخلق باب في قول اللّه تعالى وَ هُوَ الَّذِي (٣١٩١).