سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨٨ - الباب الرابع في سياق قصة الرضاع و ما وقع فيها من الآيات
و كأنه ابن أربع سنين فقدموا به على أمه زائرين لها، و هم أحرص شيء على ردّه مكانه لما رأوا من عظم بركته، فلما كانوا بوادي السّرر لقيت نفرا من الحبشة فرافقتهم فسألوها فنظروا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) نظرا شديدا ثم نظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه و إلى حمرة في عينيه فقالوا:
هل يشتكي عينه؟ قالت: لا و لكن هذه الحمرة لا تفارقه. قالوا: و اللّه نبي. انتهى.
قالت: فقدمنا به إلى أمه فلما رأته قلنا لها: اتركي ابننا عندنا هذه السّنة فإننا نخاف عليه وباء مكة. فو اللّه ما زلنا بها حتى قالت نعم فسرحته معنا.
و عند أبي نعيم عن بعض رعاة حليمة أنها مرت بذي المجاز و هي راجعة برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و به عرّاف يؤتى إليه بالصبيان ينظر إليهم فلما نظر إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و إلى الحمرة بين عينيه و إلى خاتم النبوة صاح: يا معشر العرب اقتلوا هذا الصبي فليقتلنّ أهل دينكم و ليكسرن أصنامكم و ليظهرن أمره عليكم. فانسلّت به حليمة.
زاد ابن سعد: فجعل الهذلي يصيح: يا لهذيل يا لهذيل و آلهته إنّ هذا لينتظر أمرا من السماء. و جعل يغري بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فلم ينشب أن دله فذهب عقله حتى مات كافرا.
فأقمنا شهرين أو ثلاثة، و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم.
و في حديث الزهري عند ابن سعد قال: كانت حليمة لا تدع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يذهب مكانا بعيدا، فغفلت عنه يوما فخرج مع أخته الشّيماء في الظهيرة فخرجت حليمة تطلبه حتى وجدته مع أخته فقالت: في هذا الحر؟ فقالت أخته: يا أمّه ما وجد أخي حرارا رأيت غمامة تظلّ عليه إذا وقف وقفت و إذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع. قالت: حقّا يا بنية؟
قالت: إي و اللّه. انتهى.
فقال لي يوما: يا أماه مالي لا أرى إخوتي بالنهار. قالت: يرعون بهما غنما لنا فيروحون من الليل إلى الليل. فقال: ابعثيني معهم. فكان (صلّى اللّه عليه و سلم) يخرج مسرورا و يعود مسرورا. فلما كان يوما من ذلك خرج. فلما انتصف النهار إذ جاءنا أخوه يشتدّ فقال: يا أبة و يا أمّة الحقا أخي محمدا فما تلحقانه إلا ميّتا. قلت: و ما قصته قال: بينا نحن قيام إذ أتانا رجل فاختطفه من أوساطنا و علا به ذروة جبل و نحن ننظر إليه حتى شق من صدره إلى عانته. و عند ابن إسحاق:
و رجلان عليهما ثياب بيض فشقّا بطنه فهما يسوطانه انتهى. و ما أدري ما فعل.
فأقبلت أنا و أبوه نسعى سعيا فإذا به قاعدا على ذروة الجبل شاخصا ببصره إلى السماء فنجده منتقعا لونه فأكببت عليه و قبّلت بين عينيه و قلت: فدتك نفسي ما دهاك؟ قال: خيرا يا أماه بينا أنا الساعة قائم إذ أتاني رهط ثلاث بيد أحدهم إبريق فضة و في يد الثاني طست من زمّردة خضراء ملآن ثلجا فأخذوني و انطلقوا بي إلى ذروة الجبل فأضجعوني إضجاعا لطيفا،