سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨٧ - الباب الرابع في سياق قصة الرضاع و ما وقع فيها من الآيات
فشرب و شربت حتى انتهينا، و بتنا بخير ليلة. فقال صاحبي: تعلّمي يا حليمة و اللّه إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة ألم تري إلى ما بتنا فيه الليلة من الخير و البركة حين أخذناه؟ قلت:
و اللّه إني لأرجو ذلك.
و في حديث إسحاق بن يحيى عند ابن سعد أن اليهود مرّوا على حليمة فقالت: ألا تحدّثوني عن ابني هذا فإني حملته كذا و وضعته كذا و رأيت كذا كما وصفت أمّه. فقال بعضهم لبعض: اقتلوه فقالوا أ يتيم هو؟ قالت: لا هذا أبوه و أنا أمه فقالوا: لو كان يتيما قتلناه.
قالت: ثم رجعنا و ركبت أتاني و حملته عليها معي، فو اللّه لقد قطعت أتاني بالرّكب حتى ما يتعلّق بها حمار، حتى إن صواحبي ليقلن لي يا بنت أبي ذؤيب ويحك! اربعي علينا أ هذه أتانك التي خرجت عليها معنا؟ فأقول نعم و اللّه إنها لهي فيقلن: و اللّه إنّ لها لشأنا.
و في حديث الزّهري أن حليمة نزلت به (صلّى اللّه عليه و سلم) سوق عكاظ فرآه كاهن من الكهان فقال:
يا أهل سوق عكاظ: اقتلوا هذا الغلام فإن له ملكا. فزاغت به حليمة فأنجاه اللّه تعالى منهم.
ثم قدمنا أرض بني سعد، و ما أعلم أرضا من أرض اللّه تعالى أجدب منها، فكانت غنمي تسرح ثم تروح شباعا لبّنا فنحلب و نشرب و ما يحلب إنسان قطرة لبن و لا يجدها في ضرع، إن كان الحاضر من قومنا ليقولون لرعاتهم: ويحكم انظروا حيث تسرح غنم حليمة فاسرحوا معهم. فيسرحون مع غنمي حيث تسرح فتروح أغنامهم جياعا ما فيها قطرة لبن و تروح غنمي شباعا لبّنا.
قالت: و لما دخلت به إلى منزلي لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك و ألقيت محبته (صلّى اللّه عليه و سلم) في قلوب الناس حتى إنّ أحدهم كان إذا نزل به أذى في جسده أخذ كفّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فيضعها على موضع الأذى فيبرأ سريعا بإذن اللّه تعالى. و كانوا إذا اعتلّ لهم بعير أو شاة فعلوا ذلك.
و روى أبو نعيم عن بعض من كان يرعى غنم حليمة أنهم كانوا يرون غنمها ما ترفع برؤوسها و ترى الخضر في أفواهها و أبعارها، و ما تزيد غنمنا على أن تربض ما تجد عودا تأكله.
قالت حليمة: فلم يزل اللّه تعالى يرينا البركة و نتعرّفها، حتى بلغ (صلّى اللّه عليه و سلم) سنتين، فكان يشبّ شبابا لا يشبّه الغلمان.
و في حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: كان أول كلام تكلم به (صلّى اللّه عليه و سلم) به حين فطمته: اللّه أكبر كبيرا و الحمد للّه كثيرا و سبحان اللّه بكرة و أصيلا.
و روى أبو نعيم عن بعض رعاة حليمة قالوا: مكث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سنتين حين فطم