سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٨٥ - تفسير الغريب
و روينا من طريق المدائنيّ [١] عن أبي الحويرث، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء ما ولدني إلا نكاح كنكاح أهل الإسلام»
و يقول ابن الكلبي (رحمه اللّه تعالى) إنه كتب لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خمسمائة أمّ فلم يجد فيها شيئا مما كان من أمر الجاهلية.
ثم رأيت أبا عثمان عمرو بن بحر الجاحظ [٢] (رحمه اللّه تعالى) قد ذكر في كتاب له سمّاه كتاب «الأصنام» قال فيه: و خلف كنانة بن خزيمة على زوجة أبيه بعد وفاته و هي برّة بنت أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر و هي أم أسد بن الهون بن خزيمة. و لم تلد لكنانة ولدا ذكرا.
و لكن كانت بنت أخيها و هي برة بنت مر بن أد بن طابخة، أخت لجشم بن مرّ، عند كنانة بن خزيمة، فولدت له النضر بن كنانة. و إنما غلط كثير من الناس لمّا سمعوا أن كنانة خلف على زوجة أبيه، و لاتفاق اسمهما و تقارب نسبهما وقع هذا الذي عليه مشايخنا و أهل العلم بالنسب. قال: و معاذ اللّه أن يكون أصاب نسب سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مقت نكاح.
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ما زلت أخرج من نكاح كنكاح الإسلام حتى خرجت من أبي و أمي»
قال: فمن اعتقد غير هذا فقد كفر و شك في هذا الخبر.
و نقل في الزّهر كلام الجاحظ و فيه أن برّة كانت بنت أد بن طابخة التي خلف عليها كنانة ماتت و لم تلد له فتزوج بعدها بابنة أخيها برّة، فأولدها أولادا. انتهى. قال في الزهر: و هذا هو الصواب. و قال بعد ذلك في موضع آخر: و إن خلافه غلط ظاهر، لأنه مصادم
لقوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «لم يجمع اللّه أبويّ على سفاح قط»
و هذا سفاح بإجماع، و لا يعتقد هذا في نسبه الطاهر أحد من المسلمين. ثم قال: و هذا الذي يثلج به الصدر و يذهب به وحره و يزيل الشكّ و يطفئ شرره.
قلت: و ما ذكره الجاحظ من النفائس التي يرحل إليها. و قد قدمنا في طهارة نسبه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما يؤيد ذلك. و السهيلي (رحمه اللّه تعالى) تبع في ذلك الزبير، و الزبير كأنه تبع الكلبي، و الكلبي ذكر ذلك كما نقله عنه البلاذريّ، و الكلبي متروك، و لو نقل ذلك ثقة لم يقبل قوله
[١] علي بن محمد بن عبد اللّه، أبو الحسن المدائني: راوية مؤرخ، كثير التصانيف، من أهل البصرة. سكن المدائن، ثم انتقل إلى بغداد فلم يزل بها إلى أن توفي. أورد ابن النديم أسماء نيف و مائتي كتاب من مصنفاته في المغازي، و السيرة النبوية، و أخبار النساء، و تاريخ الخلفاء، و تاريخ الوقائع و الفتوح، و الجاهليين، و الشعراء، و البلدان. قال ابن تغري بردي:
«و تاريخه أحسن التواريخ و عنه أخذ الناس تواريخهم». بقي من كتبه «المردفات من قريش»، و «التعازي». توفي سنة ٢٢٥ ه. الأعلام ٤/ ٣٢٣.
[٢] عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ: كبير أئمة الأدب، و رئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة. مولده و وفاته في البصرة. له تصانيف كثيرة، منها «الحيوان» «البيان و التبيين» و «سحر البيان» و «التاج» و يسمى أخلاق الملوك، و «البخلاء» و «المحاسن و الأضداد» و «التبصر بالتجارة». انظر الأعلام ٥/ ٧٤.