سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٦٣ - تفسير الغريب
فخرج المطلب بن عبد مناف حتى أتى المدينة عشيّا ثم خرج براحلته حتى أتى بني عديّ ابن النجار فإذا بغلمان من بين ظهراني المجلس، فلما نظر إلى ابن أخيه قال: هذا ابن هاشم؟ فقال القوم: نعم. و عرف القوم المطّلب. فقالوا: نعم هذا ابن أخيك، فإن كنت تريد أخذه فالساعة لا تعلم أمه فإنها إن علمت حلنا بينك و بينه. فأناخ راحلته ثم دعاه فقال: يا بن أخي أنا عمّك و قد أردت الذهاب بك إلى قومك فاركب. فو اللّه ما كذب أن جلس على عجز الرّحل و جلس المطّلب على الرحل ثم بعث راحلته فانطلق به. فلما علمت أمه أن عمه ذهب به علقت تدعو من حزنها على ابنها و قالت:
كنّا ولاة حمّه و رمّه [١]* * * حتّى إذا قام على أتمّه
انتزعوه غيلة من أمّه* * * و غلب الأخوال حقّ عمّه
و قيل إنه أخذه بإذن أمه.
و لمّا دخل المطلب مكة دخل ضحوة مردفه خلفه و الناس في أسواقهم و مجالسهم، فقاموا يرحّبون به و يقولون: من هذا معك؟ فيقول هذا عبدي ابتعته بيثرب. ثم خرج به حتى جاء الحزورة فابتاع له حلّة، ثم أدخله على امرأته خديجة ابنة سعيد بن سعد بن سهم، فلما كان العشي ألبسه الحلّة ثم أجلسه في مجلس بني عبد مناف و أخبرهم خبره. و جعل بعد ذلك يخرج في تلك الحلة فيطوف في سكك مكة و كان أحسن الناس وجها فيقولون: هذا عبد المطلب. لقول المطلب: هذا عبدي. فثبت اسمه عبد المطلب. و ترك شيبة.
و كان عبد المطلب يكثر زيارة أخواله و يبرّهم.
حمّة: بحاء مهملة يجوز ضمها و فتحها يعني قليله. رمّة: براء يجوز فتحها و ضمها يعني كثيره.
و روى البلاذريّ عن محمد بن السائب و غيره قالوا: كان عبد المطلب من حلماء قريش و حكمائها، و كان نديمه حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، و كان في جوار عبد المطلب يهودي يقال له أذينة و كان اليهودي يتسوّق في أسواق تهامة بماله، فغاظ ذلك حربا فألّب عليه فتيان قريش و قال: هذا العلج الذي يقطع إليكم و يخوض في بلادكم بمال جمّ كثير من غير جوار و لا خيل، و اللّه لو قتلتموه و أخذتم ماله ما خفتم تبعة و لا عرض لكم أحد يطلب دمه. فشدّ عليه عامر بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ و صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة فقتلاه. فجعل عبد المطلب لا يعرف له قاتلا، فلم يزل يبحث
[١] الحمّ ما أذيب من الشحم- و ما بقي من الشحم المذاب، و حم الشيء معظمه يقال: ما له حمّ و لا رمّ: لا قليل و لا كثير، و ما لك عن ذلك حم و لا رم: بدّ و ما له حم و لا سمّ غيرك: ما له هم غيرك. المعجم الوسيط ١/ ٢٠٠.