سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢٠ - الباب الثالث عشر في قصة إهلاك أصحاب الفيل
و وجّهوه نحو الشام ففعل مثل ذلك، و وجهوه نحو المشرق ففعل مثل ذلك، و وجهوه إلى جهة مكة فبرك و ألقى جرانه إلى الأرض و جعل يعجّ عجّا.
و في رواية يونس بن بكير [١] عن ابن إسحاق أن الفيل لما ربض جعلوا يقسمون له باللّه أنهم رادّوه إلى اليمن فيحرك لهم أذنيه- كأنه يأخذ عليهم بذلك عهدا- فإذا أقسموا عليه قام يهرول فيردّوه إلى مكة فيربض، فيحلفون له فيحرك أذنيه كالمؤكد عليهم القسم، ففعلوا ذلك مرارا.
و في معاني القرآن للزّجاج أن دوابّهم لم تسر نحو البيت، فإذا عطفوها راجعين سارت، فوعظهم اللّه تعالى بأبلغ موعظة.
فأقاموا على قصد أن يخربوا البيت فلم يزالوا يعالجون الفيل حتى غشيهم الليل.
و في رواية يونس عن ابن إسحاق أنهم استشعروا العذاب في تلك الليلة، لأنهم نظروا إلى النجوم كالحة إليهم تكاد تكلمهم من اقترابها منهم، فلما كان السّحر أرسل اللّه الطير الأبابيل من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طير منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره و حجران في رجليه أمثال العدس و الحمص، ثم جاءت حتى صفّت على رؤوسهم، فلما رأوها أشفقوا منها و سقط في أيديهم، فصاحت و ألقت ما في أرجلها و مناقيرها، فما من حجر وقع على جنب رجل إلا خرج من الجنب الآخر، و إن وقع على رأسه خرج من دبره و لا تصيب شيئا إلا هشمته و إلا سقط ذلك الموضع. فكان أول ما رئي الجدري و الحصبة، و بعث اللّه تعالى ريحا شديدة فضربت بأرجلها فزادتها قوة.
و روى أبو نعيم عن عطاء بن يسار (رحمه اللّه تعالى) قال: حدثني من كلّم قائد الفيل و سائسه قال: إنهما أخبراني خبر الفيل قالا: أقبلنا و معنا فيل الملك الأكبر لم يسر به قط إلى جمع إلّا هزمهم، فلما دنونا من الحرم جعلنا كلما نوجهه إلى الحرم يربض، فتارة نضربه فيهبط و تارة نضربه حتى نملّ ثم نتركه. فلما بلغ المغمّس ربض فلم يقم فطلع العذاب، فقلت: نجا غيركما؟ نعم ليس كلهم أصابهم العذاب.
و ولّى أبرهة و من تبعه يريد بلاده، فكلما دخل أرضا وقع منه عضو حتى انتهى إلى بلاد خثعم و ليس عليه غير رأسه فمات. و أفلت وزيره و طائره يتبعه حتى وصل إلى النجاشي فأخبره بما جرى للقوم، فلما فرغ رماه الطير بحجره فمات بين يدي الملك.
و روى سعيد بن منصور عن عكرمة (رحمه اللّه تعالى) أن رؤوس هذه الطيور مثل رؤوس
[١] يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر الجمّال الكوفي، يخطئ، من التاسعة، مات سنة تسع و تسعين. التقريب ٢/ ٣٨٤.