سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢١٨ - الباب الثالث عشر في قصة إهلاك أصحاب الفيل
حاجته. فأذن له أبرهة.
و كان عبد المطّلب أوسم الناس و أجملهم و أعظمهم، فلما رآه أبرهة أجلّه و أكرمه عن أن يجلسه تحته و كره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سريره، فجلس على بساطه و أجلس عبد المطلب معه إلى جنبه.
و في «الدرّ المنظّم» أن عبد المطلب لما دخل على أبرهة سجد له فيل من الفيلة، و كان لا يسجد لأبرهة كغيره من الفيلة، فتعجب أبرهة من ذلك و دعا بالسحرة و الكهان فسألهم عن ذلك فقالوا: إنه لم يسجد له و إنما سجد للنور الذي بين عينيه. انتهى.
ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك؟ ففعل الترجمان، قال: حاجتي أن يردّ عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلّمتني في مائتي بعير أصبتها لك و تترك بيتا هو دينك و دين آبائك جئت لهدمه لا تكلّمني فيه؟!.
قال عبد المطلب: أنا ربّ الإبل و إن للبيت ربّا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع منيّ. قال:
أنت و ذاك.
قال ابن السائب و مقاتل (رحمهما اللّه تعالى): ثم إنّ عبد المطلب عرض على أبرهة أموال تهامة و يرجع عن خراب البيت، فأبى و ردّ أبرهة على عبد المطلب الإبل التي أصاب فقلّدها و أشعرها و جلّلها و جعلها هديا للبيت و بثّها في الحرام، فعمد القوم إليها فحملوا عليها و عقروا بعضها، فدعا عليهم عبد المطلب.
قال مقاتل: فقال عبد المطلب.
لا همّ أخز الأسود بن مقصود* * * الآخذ الهجمة بعد التّقليد
فتلّها إلى طماطم سود* * * بين ثبير و حرا و البيد
و المروتين و المساعي السّود* * * يهدّم البيت الحرام المقصود
قد أجمعوا أن لا يكون لك عيد* * * أخفرهم ربّي و أنت المحمود
[١] و ذكر ابن إسحاق- (رحمه اللّه تعالى)- نحوها لعكرمة بن عامر و هو من مسلمة الفتح.
فاللّه تعالى أعلم.
[١] انظر الروض الأنف ١/ ٧٠، و رواية الأبيات هناك هكذا:
لا هم أخز الأسود بن مقصود* * * الآخذ الهجمة فيها التقليد
بين حراء و ثبير فالبيد* * * يحبسها و هي أولات التطريد
فضمها إلى طماطم سود* * * أخفره يا رب و أنت محمود