سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٩٠ - فوائد
أهداها للكعبة، و قيل سابور. و كانت الأوائل من ملوك الفرس تحجّها إلى ساسان أو سابور.
الثانية: قال السّهيلي أيضا: دلّ عبد المطلب على زمزم بعلامات ثلاث: بنقرة الغراب الأعصم، و أنها بين الفرث و الدم، و عند قرية النمل، و لم يخص هذه العلامات الثلاث إلا بحكمة إلهية و فائدة مشاكلة لطيفة في علم التعبير و التوسّم الصادق لمعنى زمزم و مائها. أما الفرث و الدم: فإن ماءها طعام طعم و شفاء سقم. و هي لما شربت له، و قد تقوّت من مائها أبو ذرّ- رضي اللّه تعالى عنه- ثلاثين ما بين ليلة و يوم فسمن حتى تكسّرت عكن بطنه، فهي إذا كما
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في اللبن: «إذا شرب أحدكم اللبن فليقل: اللّهم بارك لنا فيه و زدنا منه فإنه ليس شيء يسدّ مسدّ الطعام و الشراب إلا اللبن»
و قد قال اللّه تعالى: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ فظهرت هذه السّقيا المباركة بين الفرث و الدم، و كانت تلك من دلائلها المشاكلة لمعناها.
و أما الغراب: فهو في التأويل فاسق، و هو أسود، فدلت نقرته عند الكعبة على نقرة الأسود الحبشي بمعوله في أساس الكعبة بهدمها آخر الزمان، فكأن نقرة الغراب في ذلك المكان تؤذن بما يفعله الفاسق في آخر الزمان بقبلة الرحمن و سقيا اهل الإيمان، و ذلك عند ما يرفع القرآن. و تحيا عبادة الأوثان.
و في الصحيح عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ليخربنّ الكعبة ذو السّويقتين من الحبشة»
[١] و فيه أيضا من صفته أنه أفحج، و هذا ينظر إلى كون الغراب أعصم، إذ الفحج: تباعد في الرجلين، كما أن العصم اختلاف فيهما، و الاختلاف تباعد، و قد عرف بذي السويقتين، كما نعت الغراب بصفة في ساقيه. فتأمّله. و هذا من خفيّ علم التعبير، لأنها كانت رؤيا.
و أما قرية النمل ففيها من المشاكلة أيضا و المناسبة: أن زمزم عين مكة التي يردها الحجيج و العمّار من كل جانب، فيحملون لها البرّ و الشعير و غير ذلك، و هي لا تزرع و لا تحرث، كما قال سبحانه و تعالى خبرا عن إبراهيم عليه و على نبينا أفضل الصلاة و السلام: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ الآية. و قرية النمل كذلك، لأن النمل لا تحرث و لا تزرع و تجلب الحبوب إلى قريتها من كل جانب، و مكة كذلك، كما قال تعالى:
وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ مع أن لفظ قرية النمل مأخوذ من قريت الماء في الحوض إذا جمعته، و الرؤيا تعبّر على اللفظ تارة و على المعنى أخرى، فقد اجتمع اللفظ و المعنى في هذا التأويل. و اللّه تعالى أعلم.
[١] أخرجه البخاري ٣/ ٥٣١ كتاب الحج (١٥٩١)، و مسلم ٤/ ٢٢٣٢ كتاب الفتن (٥٧- ٢٩٠٩).