السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٦ - المقدّمة
شددنا و إذا روينا في الفضائل و نحوها تساهلنا. و في الأصل: و الذي ذهب إليه كثير من أهل العلم الترخص في الرقائق، و ما لا حكم فيه من أخبار المغازي و ما يجري مجرى ذلك، و أنه يقبل منها ما لا يقبل في الحلال و الحرام، لعدم تعلق الأحكام بها، فلما رأيت السيرتين المذكورتين على الوجه الذي لا يكاد ينظر إليه لما اشتملتا عليه، عنّ لي أن ألخص من تينك السيرتين أنموذجا لطيفا يروق للأحداق، و يحلو للأذواق، يقرأ مع ما أضمه إليه بين يدي المشايخ على غاية الانسجام، و نهاية الانتظام، و لا زلت في ذلك أقدم رجلا و أؤخر أخرى، لكوني لست من أهل هذا الشأن، و لا ممن يسابق في ميدانه على خيل الرهان، حتى أشار عليّ بذلك، و بسلوك تلك المسالك، من إشارته واجبة الاتباع، و مخالفة أمره لا تستطاع. ذو البديهة المطاوعة، و الفضائل البارعة، و الفواضل الكثيرة النافعة، من إذا سئل عن أي معضلة أشكلت على ذوي المعرفة و الوقوف، لا تراه يتوقف، و لا يخرج عن صوب الصواب و لا يتعسف، و لا أخبر في كثير من الأوقات عن شيء من المغيبات و كاد أن يتخلف، و هو الأستاذ الأعظم و الملاذ الأكرم، مولانا الشيخ أبو عبد اللّه و أبو المواهب محمد فخر الإسلام البكري الصديقي كيف لا و هو محل نظر والده، من نشر ذكره ملأ المشارق و المغارب، و سرى سره في سائر المساري و المسارب، ولي اللّه، و القائم بخدمته في الأسرار و الإعلان، و العارف به الذي لم يتمار في أنه القطب الفرد الجامع اثنان مولانا: الأستاذ أبو عبد اللّه، و أبو بكر محمد البكري الصديقي.
و لا بدع فإنه نتيجة صدر العلماء العاملين، و أستاذ جميع الأستاذين، و المعدود من المجتهدين، صاحب التصانيف المفيدة في العلوم العديدة، مولانا الأستاذ «محمد أبو الحسن» تاج العارفين البكري الصديقي، أعاد اللّه تعالى عليّ و على أحبابي من بركاتهم، و جعلنا في الآخرة من جملة أتباعهم، فلما أشار عليّ ذلك الأستاذ بتلك الإشارة و رأيتها منه أعظم بشارة، شرعت معتمدا في ذلك على من يبلغ كل مؤمل أمله، و لم يخيب من قصده و أمله و قد يسر اللّه تعالى ذلك على أسلوب لطيف، و مسلك شريف، لا تمله الأسماع، و لا تنفر منه الطباع، و الزيادة التي أخذتها من سيرة الشمس الشامي على سيرة أبي الفتح ابن سيد الناس، الموسومة ب «عيون الأثر» إن كثرت ميزتها بقولي في أولها قال، و في آخرها انتهى: و إن قلت أتيت بلفظة أي و جعلت في آخر القولة دائرة هكذا بالحمرة و ربما أقول و في السيرة الشامية، و ربما عبرت عن الزيادة القليلة بقال، و عن الكثيرة بأي، و ما ليس بعده تلك الدائرة فهو من الأصل، أعني «عيون الأثر» غالبا، و قد يكون من زيادتي على الأصل و الشامي كما يعلم بالوقوف عليهما، و ربما ميزت تلك الزيادة بقولي في أولها أقول، و في آخرها و اللّه أعلم، و قد يكون من الزيادة ما أقول. و في السيرة الهشامية بتقديم الهاء على