السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥١٧ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
إخراجها و إلقائها. و الذي ينبغي أن يكون نزع تلك العلقة إنما هو في المرة الأولى و الواقع في غيرها إنما هو إخراج الأذى، و أنه غير تلك العلقة، و أن المراد به ما يكون في الجبليات البشرية، و تكرر إخراج ذلك الأذى استئصاله و مبالغة فيه، و ذكر العلقة في المرة الأولى، و قول الملك هذا حظ الشيطان و هم من بعض الرواة.
«و اختلف إليه ميكائيل بثلاث طسات من ماء زمزم، ثم أتى بطست من ذهب ممتلئ حكمة و إيمانا» أي نفس الحكمة و الإيمان، لأن المعاني قد تمثل بالأجسام، أو فيه ما هو سبب لحصول ذلك، و المراد كمالهما، فلا ينافي ما تقدم في قصة الرضاع أنه ملئ حكمة و إيمانا. «و وضعت فيه السكينة ثم أطبقه، ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوّة» و تقدم في قصة الرضاع أن في رواية أن الختم كان في قلبه، و في أخرى أنه كان في صدره، و في أخرى أنه كان بين كتفيه، و تقدم الكلام على ذلك. و أنكر القاضي عياض شق صدره (صلى اللّه عليه و سلم) ليلة الإسراء، و قال: إنما كان و هو (صلى اللّه عليه و سلم) صبي في بني سعد، و هو يتضمن إنكار شقه عند البعثة أيضا، أي و التي قبلها و عمره (صلى اللّه عليه و سلم) عشر سنين. و رده الحافظ ابن حجر بأن الروايات تواردت بشق صدره (صلى اللّه عليه و سلم) في تلك الليلة و عند البعثة، أي زيادة على الواقع له (صلى اللّه عليه و سلم) في بني سعد، و أبدى لكل من الثلاثة حكمة، و تقدم أنه شق صدره (صلى اللّه عليه و سلم) و هو ابن عشر سنين، و أنه (صلى اللّه عليه و سلم) شق صدره و هو ابن عشرين سنة، و تقدم ما فيه.
أقول: و يمكن أن يكون إنكار القاضي عياض لشق صدره (صلى اللّه عليه و سلم) ليلة المعراج على الوجه الذي جاء في بعض الروايات أنه أخرج من قلبه علقة سوداء، و قال الملك:
هذا حظ الشيطان منك لأن هذا إنما كان و هو (صلى اللّه عليه و سلم) مسترضع في بني سعد، و يستحيل تكرر إلقاء تلك العلقة، و حمل ذلك على بعض بقايا تلك العلقة السوداء كما قدمناه ينافي قول الملك هذا حظ الشيطان منك، إلا أن يقال المراد أنه من حظ الشيطان أي بعض حظ الشيطان فليتأمل ذلك، و الأولى ما قدمناه في ذلك. ثم لا يخفى أنه ورد «غسل صدري» و في رواية «قلبي».
و قد يقال: الغسل وقع لهما معا كما وقع الشق لهما معا، فأخبر (صلى اللّه عليه و سلم) بإحداهما مرة و بالأخرى أخرى، أي و تقدم في مبحث الرضاع في رواية شق بطنه (صلى اللّه عليه و سلم) ثم قلبه، و في أخرى شق صدره ثم قلبه، و في أخرى الاقتصار على شق صدره، و في أخرى الاقتصار على شق قلبه، و تقدم أن المراد بالبطن الصدر، و ليس المراد بأحدهما القلب.
و في كلام غير واحد ما يقتضي أن المراد بالصدر القلب، و من ثم قيل: هل شق صدره و غسله مخصوص به (صلى اللّه عليه و سلم)، أو وقع لغيره من الأنبياء؟.
و أجيب بأنه جاء في قصة تابوت بني إسرائيل الذي أنزله اللّه تعالى على آدم