السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٥ - باب نسبه الشريف
و عن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنه «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) انتسب حتى بلغ النضر بن كنانة ثم قال: فمن قال غير ذلك» أي مما زاد على ذلك «فقد كذب».
أقول: إطلاق الكذب على من زاد على كنانة إلى عدنان يخالف ما سبق من أن المجمع عليه إلى عدنان إلا أن يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون عمرو بن العاص لم يسمع ما زاد على النضر بن كنانة إلى عدنان مع ذكره (صلى اللّه عليه و سلم) له الذي سمعه غيره. و في إطلاقه الكذب على ذلك التأويل السابق. و أخرج الجلال السيوطي في الجامع الصغير عن البيهقي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) انتسب فقال «أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، إلى أن قال: ابن مضر بن نزار» و هذا هو الترتيب المألوف، و هو الابتداء بالأب ثم بالجد ثم بأبي الجد و هكذا. و قد جاء في القرآن على خلافه في قوله تعالى حكاية عن سيدنا يوسف عليه الصلاة و السلام وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ [يوسف: الآية ٣٨] قال بعضهم: و الحكمة في ذلك أنه لم يرد مجرد ذكر الآباء، و إنما ذكرهم ليذكر ملتهم التي اتبعها، فبدأ بصاحب الملة ثم بمن أخذها عنه أولا فأولا على الترتيب، و اللّه أعلم.
و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كان إذا انتسب لم يجاوز معد بن عدنان بن أدد، ثم يمسك و يقول: كذب النسابون مرتين أو ثلاثا».
قال البيهقي: و الأصح أن ذلك: أي قوله «كذب النسابون» من قول ابن مسعود رضي اللّه عنه: أي لا من قوله (صلى اللّه عليه و سلم).
أقول: و الدليل على ذلك ما جاء: كان ابن مسعود إذا قرأ قوله تعالى: أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: الآية ٩] قال: كذب النسابون، يعني الذين يدعون علم الأنساب، و نفى اللّه تعالى علمها عن العباد. و لا مانع أن يكون هذا القول صدر منه (صلى اللّه عليه و سلم) أولا ثم تابعه ابن مسعود عليه.
و قد يقال: هذه الرواية تقتضي إما الزيادة على المجمع عليه، و إما النقص عنه:
أي زيادة أدد أو نقص عدنان، فهي مخالفة لما قبلها.
و في كلام بعضهم أن بين عدنان و أدد أد، فيقال عدنان بن أد بن أدد قيل له أدد لأنه كان مديد الصوت، و كان طويل العز و الشرف.
قيل و هو أول من تعلم الكتابة: أي العربية من ولد إسماعيل، و تقدم أن الصحيح أن أول من كتب نزار.
و انظر هل يشكل على ذلك ما رواه الهيثم بن عدي أن الناقل لهذه الكتابة يعني العربية من الحيرة إلى الحجاز حرب بن أمية بن عبد شمس. و قد يقال: الأولية