السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٩٩ - باب ذكر مولده
أي و في العرائس أن فرعون لما أمر بذبح أبناء بني إسرائيل جعلت المرأة: أي بعض النساء كما لا يخفى إذا ولدت الغلام انطلقت به سرا إلى واد أو غار فأخفته فيه، فيقيض اللّه سبحانه و تعالى له ملكا من الملائكة يطعمه و يسقيه حتى يختلط بالناس، و كان الذي أتى السامري لما جعلته أمه في غار من الملائكة جبريل عليه الصلاة و السلام، فكان أي السامري يمص من إحدى إبهاميه سمنا و من الأخرى عسلا، و من ثم إذا جاع المرضع يمص إبهامه فيروى من المص، قد جعل اللّه له فيه رزقا. و السامري هذا كان منافقا يظهر الإسلام لموسى عليه الصلاة و السلام و يخفي الكفر.
و في رواية أن عبد المطلب هو الذي دفعه للنسوة ليضعوه تحت الإناء.
أقول: هذا هو الموافق لما سيأتي عن ابن إسحاق من أن أمه (صلى اللّه عليه و سلم) لما ولدته أرسلت إلى جده: أي و كان يطوف بالبيت تلك الليلة فجاء إليها: أي فقالت له يا أبا الحارث ولد لك مولود له أمر عجيب، فذعر عبد المطلب و قال: أ ليس بشرا سويا؟
فقالت نعم، و لكن سقط ساجدا، ثم رفع رأسه و إصبعيه إلى السماء، فأخرجته له و نظر إليه. و أخذه و دخل به الكعبة ثم خرج فدفعه إليها، و به يظهر التوقف في قول ابن دريد: أكفئت عليه جفنة لئلا يراه أحد قبل جده، فجاء جده و الجفنة قد انفلقت عنه، إلا أن يقال يجوز أن يكون جده أخذه بعد انفلاق الجفنة ثم دخل به الكعبة، ثم بعد خروجه به من الكعبة دفعه لها و للنسوة ليضعوه تحت جفنة أخرى إلى أن يصبح، فانفلقت تلك الجفنة الأخرى حتى لا ينافي ذلك ما تقدم عن أمه: فوجدت الإناء قد تفلق و هو يمص إبهامه.
و عن إياس الذي يضرب به المثل في الذكاء قال: أذكر الليلة التي وضعت فيها وضعت أمي على رأسي جفنة و قال لأمه ما شيء سمعته لما ولدت؟ قالت: يا بني طست سقط من فوق الدار إلى أسفل ففزعت فولدتك تلك الساعة.
و قال بعضهم: يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل، و إن إياسا منهم و لعل هذا هو المراد بما جاء في الحديث «يبعث اللّه على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر ديتها» و المراد برأسها آخرها بأن يدرك أوائل المائة التي تليها بأن تنقضي تلك المائة و هو حي، إلا أني لم أقف على أن إياسا هذا كان من المجددين و اللّه أعلم.
و في تفسير ابن مخلد الذي قال في حقه ابن حزم. ما صنف مثله أصلا: أن إبليس رن أي صوّت بحزن و كآبة أربع رنات: رنة حين لعن، و رنة حين أهبط، و رنة حين ولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أي و هو المراد بقول بعضهم يوم بعثه، و رنة حين أنزلت عليه (صلى اللّه عليه و سلم) فاتحة الكتاب، و إلى رنته حين ولادته (صلى اللّه عليه و سلم) أشار صاحب الأصل بقوله.