السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٩٢ - باب ذكر مولده
عنها، و هي الآن مسجد يصلى فيه، بناه معاوية رضي اللّه تعالى عنه أيام خلافته. قيل و هو أفضل موضع بمكة بعد المسجد الحرام: أي و اشتهر بمولد فاطمة رضي اللّه تعالى عنها لشرفها، و إلا فهو مولد بقية إخوتها من خديجة، و لعل معاوية رضي اللّه تعالى عنه اشترى تلك الدار ممن اشتراها من عقيل.
و يدل لما قلناه قول بعضهم: لم يتعرض (صلى اللّه عليه و سلم) عند فتح مكة لتلك الدار التي أبقاها في يد عقيل: أي التي هي دار خديجة، فإنه لم يزل بها (صلى اللّه عليه و سلم) حتى هاجر فأخذها عقيل.
و في كلام بعضهم: لما فتح النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مكة ضرب مخيمه بالحجون، فقيل له:
أ لا تنزل منزلك من الشعب فقال «و هل ترك لنا عقيل منزلا» و كان عقيل قد باع منزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و منازل إخوته حين هاجروا من مكة، و منزل كل من هاجر من بني هاشم.
و في كلام بعضهم: كان عقيل تخلف عنهم في الإسلام و الهجرة، فإنه أسلم عام الحديبية التي هي السنة السادسة و باع دورهم، فلم يرجع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في شيء منها، و هي أي تلك الدار التي ولد بها (صلى اللّه عليه و سلم) عند الصفا، قد بنتها زبيدة زوجة الرشيد أم الأمين مسجدا لما حجّت.
و في كلام ابن دحية أن الخيزران أم هارون الرشيد لما حجت أخرجت تلك الدار من دار ابن يوسف و جعلتها مسجدا. و يجوز أن تكون زبيدة جددت ذلك المسجد الذي بنته الخيزران فنسب لكل منهما، و سيأتي أن الخيزران بنت دار الأرقم مسجدا، و هي عند الصفا أيضا، و لعل الأمر التبس على بعض الرواة لأن كلا منهما عند الصفا. و قيل ولد (صلى اللّه عليه و سلم) في شعب بني هاشم.
أقول: قد يقال لا مخالفة، لأنه يجوز أن تكون تلك الدار من شعب بني هاشم، ثم رأيت التصريح بذلك. و لا ينافيه ما تقدم في الكلام على الحمل من أن شعب أبي طالب و هو من جملة بني هاشم كان عند الحجون، لأنه يجوز أن يكون أبو طالب انفرد عنهم بذلك الشعب، و اللّه أعلم.
قال: و قيل ولد (صلى اللّه عليه و سلم) في الردم: أي ردم بني جمح، و هم بطن من قريش، و نسب لبني جمح لأنه ردم على من قتلوا في الجاهلية من بني الحارث، فقد وقع بين بني جمح و بين بني الحارث في الجاهلية مقتلة، و كان الظفر فيها لبني جمح على بني الحارث فقتلوا منهم جمعا كثيرا، و ردم على تلك القتلى بذلك المحل. و قيل ولد بعسفان انتهى.
أقول: مما يردّ القول بكونه ولد بعسفان ما ذكره بعض فقهائنا، أن من جملة ما يجب على الولي أن يعلم موليه إذا ميز أنه (صلى اللّه عليه و سلم) ولد بمكة و دفن بالمدينة، إلا أن يقال