السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٨٧ - باب ذكر مولده
بأربعين سنة، و قيل بسبعين سنة ا ه: أي و على أنه بعد الفيل بخمسة و خمسين يوما اقتصر الحافظ الدمياطي (رحمه اللّه). و عبارة المواهب: حكاه الدمياطي في آخرين، و كونه في عام الفيل قال الحافظ ابن كثير: هو المشهور عند الجمهور. و قال إبراهيم بن المنذر شيخ البخاري (رحمه اللّه) لا يشك فيه أحد من العلماء، و نقل غير واحد فيه الإجماع. و قال: كل قول يخالفه و هم: أي و قيل قبل عام الفيل بخمس عشرة سنة. قال بعضهم: و هذا غريب منكر و ضعيف أيضا.
أقول: و القول بأنه ولد قبل عام الفيل أو فيه أو بعده بعشر سنين يقتضي تضعيف ما ذكره الحافظ أبو سعيد النيسابوري أن نور النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كان يضيء في غرة جده عبد المطلب، و كانت قريش إذا أصابها قحط أخذت بيد عبد المطلب إلى جبل ثبير يستسقون به، فيسقيهم اللّه تعالى ببركة ذلك النور، و أنه لما قدم صاحب الفيل لهدم الكعبة لتكون كنيسته التي بناها. و يقال إنها القليس كجميز لارتفاع بنائها و علوها و منه القلانس لأنها في أعلى الرءوس مكان الكعبة في الحج إليها.
و قد اجتهد أبرهة في زخرفتها، فجعل فيها الرخام المجزع و الحجارة المنقوشة بالذهب، كان ينقل ذلك من قصر بلقيس صاحبة سليمان (عليه السلام)، و جعل فيها صلبانا من الذهب و الفضة، و منابر من العاج و الآبنوس، و شدد على عمالها بحيث إذا طلعت الشمس قبل أن يأخذ العامل في عمله قطع يده، فنام رجل منهم ذات يوم حتى طلعت الشمس، فجاءت معه أمه و هي امرأة عجوز، فتضرعت إليه في أن لا يقطع يد ولدها فأبى إلا قطع يده، فقالت له اضرب بمعولك اليوم، فاليوم لك و غدا لغيرك، فقال لها: ويحك ما قلت؟ فقالت نعم كما صار هذا الملك من غيرك إليك فكذلك يصير منك إلى غيرك، فأخذته موعظتها فعفا عنه، و رجع عن هذا الأمر، فعند ذلك ركب عبد المطلب في قريش إلى جبل ثبير فاستدار ذلك النور، في وجه عبد المطلب كالهلال، و ألقى شعاعه على البيت الحرام مثل السراج، فلما نظر عبد المطلب لذلك قال: يا معشر قريش ارجعوا فقد كفيتم هذا الأمر فو اللّه ما استدار هذا النور مني إلا أن يكون الظفر لنا فرجعوا فلما دخل رسول صاحب الفيل إلى مكة و نظر إلى وجه عبد المطلب خضع و تلجلج لسانه و خر مغشيا عليه أي فكان يخور كما يخور الثور عند ذبحه، فلما أفاق خر ساجدا لعبد المطلب: أي فإن صاحب الفيل أمره أن يقول لقريش: إن الملك إنما جاء لهدم البيت، فإن لم تحولوا بينه و بينه لم يزد على هدمه، و إن أحلتم بينه و بينه أتى عليكم، فقال له عبد المطلب؟ ما عندنا منعة و لا ندفع عن هذا البيت، و له رب إن شاء منعه: أي و في لفظ قال عبد المطلب، و اللّه ما نريد حربه و ما لنا منه بذلك طاقة، هذا بيت اللّه الحرام، و بيت إبراهيم خليل اللّه، فإن يمنعه منه فهو بيته و حرمه، و إن لم يحل بينه و بينه فو اللّه ما