السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٨٢ - باب ذكر مولده
عنه: يا أبا عبد اللّه ما معنى هذا الحديث؟ فقال: علم العرب كان في زجر الطير، كان الرجل منهم إذا أراد سفرا جاء إلى الطير في مكامنها فطيرها الحديث.
و يحكى عن وائل بن حجر و كان زاجرا حسن الزجر أنه خرج يوما من عند زياد بالكوفة، و هو الذي ألحقه معاوية بأبيه أبي سفيان، و هو والد عبيد اللّه بن زياد الذي قاتل الحسين، و كان أميرها المغيرة بن شعبة فرأى غرابا ينغق بالغين المعجمة: أي يصيح فرجع إلى زياد و قال له هذا غراب يرحلك من هاهنا إلى خير، فقدم رسول معاوية إلى زياد من يومه بولاية البصرة.
و قد ذكر أن أبا ذؤيب الهذلي الشاعر كان مسلما على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لم يجتمع به قال: بلغنا أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عليل، و لما كان وقت السحر هتف بي هاتف و أنا نائم و هو يقول:
قبض النبي محمد فعيوننا* * * تذري الدموع عليه بالتسجام
قال: فقمت من نومي فزعا، فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعد الذابح، فتفاءلت به و علمت أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قد قبض، فركبت ناقتي و حثثتها حتى إذا كنت بالغابة زجرت الطير فأخبرني بوفاته (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما قدمت المدينة فإذا فيها ضجيج بالبكاء كضجيج الحاج فسألت، فقيل لي: قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو مسجى و قد خلا به أهله، و أبو هذيل هذا هو القائل:
أمن المنون و ريبه تتوجع* * * و الدهر ليس بمعتب من يجزع
و إذا المنية أنشبت أظفارها* * * ألفيت كل تميمة لا تنفع
و تجلدي للشامتين أريهم* * * أني لريب الدهر لا أتضعضع
و النفس راغبة إذا رغبتها* * * و إذا ترد إلى قليل تقنع
و من زجر الطير ما حكاه بعضهم قال: جاء أعرابي إلى دار القاضي أبي الحسين الأزدي المالكي، فجاء غراب فقعد على نخلة في تلك الدار و صاح ثم طار، فقال الأعرابي هذا الغراب يقول إن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام، فصاح الناس عليه و زجروه فقام و انصرف، ففي سابع يوم مات هذا القاضي.
و قد جاء النهي عن ذلك: أي عن الزجر و الطيرة في قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «أقروا الطير على مكامنها» أي لا تزجروها. و جاء «الطيرة شرك» و جاء «من أرجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك» أي حيث اعتقد أنها تؤثر. و جاء «إذا رأى أحدكم من الطيرة ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، و لا يدفع السيئات إلا أنت، و لا حول و لا قوة إلا بك» و في رواية «اللهم لا طير إلا طيرك، و لا خير إلا خيرك، و لا إله غيرك