السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٨١ - باب ذكر مولده
كفه، لجواز أن يكون قبض أصابعه ما عدا السبابة بعد ذلك. و لا ينافيه قوله مقبوضة المنصوب على الحال لقرب زمنها من الوقوع على الأرض، و الاقتصار على الركبتين لا ينافي الجمع بينهما و بين الكفين.
و رأيت في كلام بعضهم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) ولد واضعا إحدى يديه على عينيه و الأخرى على سوأتيه فليتأمل، و اللّه أعلم.
و إلى رفع رأسه (صلى اللّه عليه و سلم) و شخوص بصره إلى السماء يشير صاحب الهمزية بقوله:
رافعا رأسه و في ذلك الرف* * * ع إلى كل سودد إيماء
رامقا طرفه السماء و مرمى* * * عين من شأنه العلو العلاء
أي وضعته حال كونه رافعا رأسه إلى السماء، و في ذلك الرفع الذي هو أول فعل وقع منه بعد بروزه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى هذا العالم إشارة إلى حصول كل رفعة و سيادة و وضعته حالة كونه رامقا ببصره إلى السماء، و سر ذلك الإشارة إلى علو مرماه، إذ مرمى عين الذي قصده ارتفاع مكانه الرفعة و الشرف. قال: و قد روي «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قبض قبضة من تراب، و أهوى ساجدا، فبلغ ذلك رجلا من بني لهب، فقال لصاحبه: لئن صدق هذا الفأل ليغلبن هذا المولود أهل الأرض»: أي لأنه قبض عليها و صارت في يده. و الفأل بالهمز و بدونه، يقال فيما يسر و التطير فيما يسوء فالفأل ضد الطيرة بكسر الطاء. و قد جاء «إني أتفاءل و لا أتطير» و قيل له (صلى اللّه عليه و سلم) «ما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «لا عدوى و لا طيرة و يعجبني الفأل الكلمة الحسنة و الكلمة الطيبة» و في رواية «و أحب الفأل الصالح».
و فرق بعضهم بين الفأل و التفاؤل بأن الأول يكون في سماع الآدميين. و الثاني يكون في الطير بأسمائها و أصواتها و ممرها. و قوله: لا عدوى معارض لما جاء أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) «إنا قد بايعناك فارجع فرجع و لم يصافحه» و جاء «لا تديموا النظر للمجذومين» و سيأتي الجواب عنه بما يحصل به الجمع بينه و بين ما جاء «أنه أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة و قال: كل بسم اللّه عز و جل و توكلا عليه» و بنو لهب بكسر اللام و سكون الهاء: حي من الأزد أعلم الناس بالزجر: أي زجر الطير و التفاؤل بها و بغيرها.
فقد كان في الجاهلية إذا أراد الشخص أن يخرج لحاجة جاء إلى الطير و أزعجها عن أوكارها، فإن مر الطائر على اليمين سمي سانحا و استبشر مريد الحاجة بقضائها، و إن مر على اليسار سمي بارحا بالموحدة و الراء و الحاء مهملة، و قعد مريد الحاجة عنها تفاؤلا بعدم قضائها: أي و هذا ما فسر به إمامنا الشافعي الحديث الآتي:
«أقروا الطير في مكامنها» فعن سفيان بن عيينة قال: قلت للشافعي رضي اللّه تعالى