السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٧١ - باب ذكر حمل أمه به
الذي في بطنها خرج نورا: أي و هي تفيد أن ذلك النور هو نفس حملها، فهو بعد تحقق الحمل و وجوده، و الرواية التي هنا تفيد أن النور غيره، و أنه كان وقت ابتداء وجود الحمل، فلا يصح حمل إحداهما على الأخرى، إلا أن يقال المراد بحين حملت زمن حملها، و أن النور كان هو ذلك الحمل، لكن الذي ينبغي أن تكون رواية شداد التي حملت عليها الرواية الأولى حاصلة قبيل الولادة، فتكون رأت النور عند الولادة مناما و يقظة تأنيسا لها.
على أنه يجوز إبقاء الروايات الثلاث على ظاهرها و أنها رأت مناما أنها خرج منها نور عند ابتداء الحمل، ثم رأت كذلك عند قرب ولادتها أن الذي في بطنها خرج نورا، ثم رأت يقظة عند وضعه خروج النور. و سيأتي في رواية عن أمه أنها قالت لما وضعته: خرج معه نور، و هي لا تخالف هذه الرواية الثالثة حتى تكون الرابعة، فبصرى أول بقعة من الشام خلص إليها نور النبوة.
و على أنه مرتين ناسب قدومه (صلى اللّه عليه و سلم) لها مرتين مرة مع عمه أبي طالب و مرة مع ميسرة غلام خديجة رضي اللّه تعالى عنها كما سيأتي، و بها مبرك الناقة التي يقال إن ناقته (صلى اللّه عليه و سلم) بركت فيه، فأثر ذلك فيه، و بني على ذلك المحل مسجد، و لهذا كانت أول مدينة فتحت من أرض الشام في الإسلام، و كان فتحها صلحا في خلافة أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه على يد خالد بن الوليد رضي اللّه تعالى عنه، و بها قبر سعد بن عبادة، و هي من أرض حوران، و اللّه أعلم.
و وقع الاختلاف في مدة حمله (صلى اللّه عليه و سلم)، فعن ابن عائذ أي بالياء المثناة تحت و الذال المعجمة «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) بقي في بطن أمه تسعة أشهر كملا لا تشكو وجعا و لا مغصا و لا ريحا و لا ما يعرض لذوات الحمل من النساء» أي و قد ولد عند وجود المشتري و هو كوكب نير سعيد، فقد كانت ولادته (صلى اللّه عليه و سلم) عند وجود السعد الأكبر، و النجم الأنور، و كانت أمه (صلى اللّه عليه و سلم) تقول: ما رأيت من حمل هو أخفّ منه و لا أعظم بركة منه.
و روى ابن حبان (رحمه اللّه) عن حليمة رضي اللّه تعالى عنها عن آمنة أم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنها قالت «إن لابني هذا شأنا، إني حملت به فلم أجد حملا قط كان أخف عليّ و لا أعظم منه بركة» و قيل بقي عشرة أشهر، و قيل ستة أشهر، و قيل سبعة أشهر، و قيل ثمانية أشهر: أي و يكون ذلك آية، كما أن عيسى (عليه السلام) ولد في الشهر الثامن كما قيل به مع نص الحكماء و المنجمين على أن من يولد في الشهر الثامن لا يعيش، بخلاف التاسع و السابع و السادس الذي هو أقل مدة الحمل: أي فقد قال الحكماء في بيان سبب ذلك إن الولد عند استكماله سبعة أشهر يتحرك للخروج حركة عنيفة أقوى من حركته في الشهر السادس، فإن خرج عاش، و إن لم يخرج استراح في البطن عقب تلك الحركة المضعفة له، فلا يتحرك في الشهر الثامن و لذلك تقل حركته في