السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٦٧ - باب تزويج عبد اللّه أبي النبي
و في حديث ضعيف أن حمص من مدن الجنة، و قيل الحزاء هو الكاهن، و قيل هو الذي يحزر الأشياء و يقدرها بظنه، و يقال للذي ينظر في النجوم فإنه ينظر فيها بظنه فربما أخطأ: أي لأن من علوم العرب الكهانة و العيافة و القيافة و الزجر و الخط:
أي الرمل و الطب، و معرفة الأنواء و مهابّ الرياح.
فلما رجع عبد المطلب إلى مكة تزوج هالة بنت وهيب بن عبد مناف فولدت له حمزة و صفية و زوّج ابنه عبد اللّه آمنة بنت وهب أخي وهيب فولدت له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كما تقدم، فكانت قريش تقول فلج عبد اللّه على أبيه: أي فاز و ظفر لأن الفلج بالفاء و اللام المفتوحتين و الجيم الفوز و الظفر، أي فاز و ظفر بما لم ينله أبوه من وجود هذا المولود العظيم الذي وجد عند ولادته ما لم يوجد عند ولادة غيره.
أي و في كلام ابن المحدّث أن عبد المطلب خطب هالة بنت وهيب عم آمنة في مجلس خطبة عبد اللّه لآمنة و تزوّجا و أولما ثم ابتنيا بهما. ثم رأيت في أسد الغابة ما يوافقه، و هو أن عبد المطلب تزوج هو و عبد اللّه في مجلس واحد، قيل: و فيه تصريح بأن عبد اللّه كان موجودا حين قال الحبر لعبد المطلب إن النبوة موجودة فيه، و كيف تكون موجودة فيه مع انتقالها لعبد اللّه؟ و قد يقال، من أين أن عبد المطلب تزوج هالة عقب مجيئه من عند الحبر حتى يكون قول الحبر لعبد المطلب صادرا بعد وجود عبد اللّه؟ جاز أن يكون ذلك صدر من الحبر لعبد المطلب قبل ولادة عبد اللّه.
و فيه أن هذا لا يحسن إلا لو كانت أم عبد اللّه من بني زهرة، إلا أن يقال يجوز أن يكون عبد اللّه وجد من بني زهرة لجواز أن يكون عبد المطلب تزوج من بني زهرة غير هالة فأولدها عبد اللّه.
ثم إن قول الحبر لعبد المطلب: إنه يجد في إحدى يديه الملك و إنه يكون في بني زهرة مشكل أيضا، لأن الملك لم يكن إلا في أولاد ولده العباس، و لا يستقيم إلا لو كانت أم العباس من بني زهرة. أما هالة التي هي أم حمزة أو غيرها و أم العباس ليست من بني زهرة، خلافا لما وقع في كلام بعضهم أن العباس ولدته هالة فهو شقيق حمزة لأنه خلاف ما اشتهر عن الحافظ، إلا أن يقال جاز أن يكون الملك و النبوة اللذان عناهما الحبر هما نبوته و ملكه (صلى اللّه عليه و سلم)، لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) أعطيهما: أي كلا من الملك و النبوة المنتقلين إليه من أبيه عبد اللّه، بناء على أن أم عبد اللّه من بني زهرة، و لعله لا ينافيه قول بعضهم: تزوج عبد المطلب فاطمة بنت عمرو و جعل مهرها مائة ناقة و مائة رطل من الذهب، فولدت له أبا طالب و عبد اللّه والد النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، لأنه يجوز أن تكون فاطمة هذه من بني زهرة، و حينئذ لا يشكل قول الحبر: إذا تزوجت فتزوج منهم: أي من بني زهرة بعد قوله: أ لك شاعة.