السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٦٥ - باب تزويج عبد اللّه أبي النبي
قال: و جاء، أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» أي و في رواية «لم يزل اللّه ينقلني من الأصلاب الحسيبة إلى الأرحام الطاهرة».
و روى البخاري «بعثت من خير قورن بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت في القرن الذي كنت فيه» و قد تقدم في قوله تعالى وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) [الشّعراء: الآية ٢١٩] قيل من ساجد إلى ساجد، و تقدم ما فيه، و من جملته قول أبي حيان إن ذلك استدل به بعض الرافضة على أن آباء النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كانوا مؤمنين أي متمسكين بشرائع أنبيائهم.
ثم رأيت الحافظ السيوطي قال: الذي تلخص أن أجداده (صلى اللّه عليه و سلم) من آدم إلى مرة بن كعب مصرح بإيمانهم: أي في الأحاديث و أقوال السلف، و بقي بين مرة و عبد المطلب أربعة أجداد لم أظفر فيهم بنقل، و عبد المطلب سيأتي الكلام فيه.
و قد ذكر في عبد المطلب ثلاثة أقوال:
أحدها و هو الأشبه أنه لم تبلغه الدعوة: أي لأنه سيأتي أنه مات و سنه (صلى اللّه عليه و سلم) ثمان سنين.
و الثاني أنه كان على ملة إبراهيم عليه الصلاة و السلام: أي لم يعبد الأصنام.
و الثالث أن اللّه تعالى أحياه له بعد البعثة حتى آمن به ثم مات، و هذا أضعف الأقوال و أوهاها، لم يرد قط في حديث ضعيف و لا غيره، و لم يقل به أحد من أئمة السنة و إنما حكي عن بعض الشيعة.
قال بعضهم: و قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» دليل على أن آباء النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أمهاته إلى آدم و حواء ليس فيهم كافر، لأن الكافر لا يوصف بأنه طاهر. و فيه أن الطاهرية فيه يجوز أن يكون المراد بها ما قابل أنكحة الجاهلية المتقدمة. و قد أشار إلى إسلام آبائه و أمهاته صاحب الهمزية بقوله:
لم تزل في ضمائر الكون تختا* * * ر لك الأمهات و الآباء
أي لأن الكافر لا يقال إنه مختار للّه.
و السبب الذي دعا عبد المطلب لاختيار بني زهرة ما حدّث به ولده العباس رضي اللّه تعالى عنه قال: قال عبد المطلب: قدمنا اليمن في رحلة الشتاء، فنزلنا على حبر من اليهود يقرأ الزبور: أي الكتاب، و لعل المراد به التوراة فقال: من الرجل؟ قلت: من قريش، قال من أيهم؟ قلت من بني هاشم قال: أ تأذن لي أن أنظر بعضك؟ قلت نعم ما لم يكن عورة، قال: ففتح إحدى منخريّ فنظر فيه ثم نظر في الأخرى فقال: أنا أشهد أن في إحدى يديك و هو مراد الأصل بقوله في منخريك ملكا و في الأخرى نبوة، و إنما نجد ذلك: أي كلا من الملك و النبوة في بني زهرة،