السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٦٤ - باب تزويج عبد اللّه أبي النبي
و تمسك به، و لا تزل عنه فتخسر الدنيا و الآخرة.
قال بعضهم: و هذا من أعظم العناية به (صلى اللّه عليه و سلم)، أن أجرى اللّه سبحانه و تعالى نكاح آبائه من آدم إلى أن أخرجه من بين أبويه على نمط واحد من وفق شريعته (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يكن كما كان يقع في الجاهلية إذا أراد الرجل أن يتزوج قال خطب و تقول أهل الزوجة نكح كما تقدم، و يكون ذلك قائما مقام الإيجاب و القبول.
و المراد بنكاح الإسلام ما يفيد الحل حتى يشمل التسرّي، بناء على أن أم إسماعيل كانت مملوكة لإبراهيم حين حملت بإسماعيل، و لم يعتقها و لم يعقد عليها قبل ذلك.
و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها كما في البخاري: «إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: نكاح كنكاح الناس اليوم» أي بإيجاب و قبول شرعيين دون أن يقول الزوج خطب و يقول أهل الزوجة نكح، و حينئذ يزيد على ذلك النكاح الذي كان يقال فيه ذلك «و نكاح البغايا. و نكاح الاستبضاع. و نكاح الجمع» أي و من أنكحة الجاهلية نكاح زوجة الأب الأكبر أولاده و الجمع بين الأختين، على ما تقدم، و حينئذ يكون المراد ليس في نسبه (صلى اللّه عليه و سلم) نكاح زوجة الأب، خلافا لم تقدم عن السهيلي، و لا الجمع بين الأختين، و لا نكاح البغايا، و هو أن يطأ البغيّ جماعة متفرقين واحدا بعد واحد، فإذا حملت و ولدت ألحق الولد بمن غلب عليه شبهه منهم، و لا الاستبضاع، و ذلك أن المرأة كانت في الجاهلية إذا طهرت من حيضها يقول لها زوجها أرسلي إلى فلان استبضعي منه و يعتزلها زوجها و لا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، و ليس فيه نكاح الجمع، و هو أن تجتمع جماعة دون العشرة و يدخلون على امرأة من البغايا ذوات الرايات كلهم يطؤها فإذا حملت و وضعت و مر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم و قد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت منهم، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل إن لم يغلب شبهه عليه.
فنكاح البغايا قسمان، و حينئذ يحتمل أن تكون أم عمرو بن العاص رضي اللّه عنه من القسم الثاني من نكاح البغايا، فإنه يقال إنه وطئها أربعة: و هم العاص، و أبو لهب، و أمية بن خلف، و أبو سفيان بن حرب، و ادعى كلهم عمرا فألحقته بالعاص.
و قيل لها لما اخترت العاص؟ قالت: لأنه كان ينفق على بناتي. و يحتمل أن يكون من القسم الأول و يدل عليه ما قيل إنه ألحق بالعاص لغلبة شبهه عليه، و كان عمرو يعير بذلك، عيره بذلك عليّ و عثمان و الحسن و عمار بن ياسر و غيرهم من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، و سيأتي ذلك في قصة قتل عثمان عند الكلام على بناء مسجد المدينة.