السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٧٣ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
ضحك بعد ذلك، فقد جاء «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) تبسم في الصلاة، فسأل عن ذلك، فقال: رأيت ميكائيل راجعا من طلب القوم، أي يوم بدر، و على جناحه الغبار فضحك إليّ فتبسمت إليه».
و لعل هذا كان بعد ما أخرجه أحمد في مسنده عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «أنه قال لجبريل: إني لم أر ميكائيل ضاحكا قط، قال:
ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار» و مما يدل على أن جبريل عليه الصلاة و السلام خلق قبل النار أيضا ما في مسند أحمد عن أنس بن مالك، قال: قال (صلى اللّه عليه و سلم) لجبريل «لم تأتني إلا رأيتك صارّا بين عينيك، قال: إني لم أضحك منذ خلقت النار» و هذا مع ما تقدم من رؤية الجنة و النار يردّ على الجهمية و بعض المعتزلة كعبد الجبار و أبي هاشم، حيث زعموا أن اللّه تعالى لم يخلق الجنة و النار، و أنهما ليستا موجودتين الآن، و إنما يخلقهما سبحانه و تعالى يوم الجزاء، مستدلين بأنه لا يحسن من الحكيم أن يخلق الجنة دار النعمة و النار دار النقمة قبل خلق أهلهما، و بأنهما لو كانا مخلوقتين في السماء و الأرض لفنيا بفنائهما.
و أجيب عن الأول بأنه يحسن من الحكيم خلقهما قبل يوم الجزاء، لأن الإنسان إذا علم ثوابا مخلوقا اجتهد في العبادة لتحصيل ذلك الثواب، و إذا علم عقابا مخلوقا اجتهد في اجتناب المعاصي لئلا يصيبه ذلك العقاب، فليتأمل.
و أجيب عن الثاني بأن اللّه استثناهما من قوله تعالى فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: الآية ٦٨].
و فيه أن هذه صعقة الموت، و لا يتصف بالموت غير ذي الروح، و لأن الجنة كما قيل ليست في السماء السابعة بل فوقها، و النار ليست في الأرض السابعة بل تحتها، و حينئذ يكون القول بأن الجنة في السماء السابعة و النار في الأرض السابعة فيه تجوّز و اللّه أعلم.
قال: و اختلف في رؤيته (صلى اللّه عليه و سلم) لربه تبارك و تعالى تلك الليلة فأكثر العلماء على وقوع ذلك: أي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) رآه عز و جل بعين رأسه. و استدل له بحديث «رأيت ربي في أحسن صورة». و ردّ بأن هذا الحديث مضطرب الإسناد و المتن.
و قد قال بعض العارفين: شاهد الحق سبحانه و تعالى القلوب فلم ير قلبا أشوق إليه من قلب محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فأكرمه بالمعراج تعجيلا للرؤية و المكالمة، و أنكرتها عائشة رضي اللّه تعالى عنها. و قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه أي بعين رأسه فقد أعظم الفرية على اللّه عز و جل، أي أتى بأعظم الافتراء و الكذب على اللّه عز و جل، و وافقها على ذلك من الصحابة ابن مسعود و أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنهما و جمع من العلماء.