السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٥٣ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
فيهما أمثلة من ذلك، أي من الصحيح الموصوف بالشذوذ.
أقول: و كونهما ابني الخالة: أي أن أم كل خالة الآخر هو المشهور. و عليه قال ابن السكيت: يقال ابنا خالة، و لا يقال ابنا عمة، و يقال ابنا عم و لا يقال ابنا خال؛ لكن في عيون المعارف للقضاعي أن يحيى إنما هو ابن خالة مريم أم عيسى لا ابن خالة عيسى، لأن أم يحيى أخت أم مريم لا أخت مريم.
و كذا في كلام ابن إسحاق أن عمران و زكريا كلاهما من ذرية سليمان عليهم الصلاة و السلام، و أنهما تزوجا أختين؛ فزوجة زكريا ولدت يحيى قبل عيسى بستة أشهر، ثم ولدت مريم عيسى، و زوجة عمران ولدت مريم، فأم يحيى أخت أم مريم، فعيسى ابن بنت خالة يحيى، و حينئذ يكون قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «فإذا أنا بابني الخالة» على التجوّز، و كذا قول عيسى ليحيى يا ابن الخالة كما في تفسير التستري على التجوز.
ففيه: حكي عن يحيى و عيسى (عليهما السلام) أنهما خرجا يمشيان، فصدم يحيى امرأة، فقال له عيسى: يا بن الخالة، لقد أخطأت اليوم خطيئة ما أرى اللّه عز و جل يغفرها لك، قال: و ما هي؟ قال: صدمت امرأة قال: و اللّه ما شعرت بها، قال عيسى: سبحان اللّه: بدنك معي فأين قلبك؟ قال: معلق بالعرش، و لو أن قلبي اطمأن إلى جبريل (صلوات اللّه و سلامه عليه) طرفة عين لظننت أني ما عرفت اللّه عز و جل و وجه التجوز أنه أطلق على بنت الأخت لفظ الأخت. قال بعضهم: و هو كثير شائع في كلامهم.
ثم رأيت المولى أبا السعود ذكر ما يجمع به بين القولين، و هو أنه قيل إن أم يحيى أخت أم مريم من الأم، و أخت مريم من الأب، فليتأمل تصويره بناء على تحريم نكاح المحارم لأن أم مريم حينئذ بنت موطوءة أبيها لأنها ربيبته إلا أن يكون في شريعتهم جواز ذلك.
ثم رأيت بعضهم ذكر ذلك حيث قال: لا يبعد أن عمران تزوج أولا أم حنة فولدت أشياع: أي التي هي أم يحيى، ثم تزوج حنة بعد ذلك التي هي ربيبته بنت موطوءته فجاء منها بمريم، بناء على جواز ذلك في شريعتهم.
و فيه أنه تقدم أن نوحا عليه الصلاة و السلام بعث بتحريم نكاح المحارم، إلا أن يقال المراد محارم النسب دون المصاهرة، و لم يسم أحد يحيى بعد يحيى هذا إلا يحيى بن خلاد الأنصاري جيء به للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) يوم ولد فحنكه بتمرة؛ و قال: لأسمينه باسم لم يسم به بعد يحيى بن زكريا فسماه يحيى.
و مما يدل على شرف سيدنا يحيى بن زكريا ما في الكشاف عن ابن عباس