السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٤٥ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
و كشف له (صلى اللّه عليه و سلم) عن حال من يقبل الأمانة مع عجزه عن حفظها بضرب مثال «فأتى على رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها و هو يزيد عليها، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده أمانات الناس لا يقدر على أدائها و يريد أن يتحمل عليها».
و كشف له (صلى اللّه عليه و سلم) عن حال من يترك الصلاة المفروضة في دار الجزاء «فأتى على قوم ترضخ رءوسهم، كلما رضخت عادت كما كانت، و لا يفتر عنهم من ذلك شيء فقال: يا جبريل ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة» أي المفروضة عليهم.
و كشف له (صلى اللّه عليه و سلم) عن حال من يترك الزكاة الواجبة عليه «ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع و على أدبارهم رقاع يسرحون كما تسرح الإبل و الغنم و يأكلون الضريع» و هو اليابس من الشوك «و الزقوم» ثم شجر مر له زفرة، قيل إنه لا يعرف بشجر الدنيا و إنما هو بشجرة من النار، و هي المذكورة في قوله تعالى إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) [الصّافات: الآية ٦٤] أي منبتها في أصل الجحيم، و تقم الكلام عليها عند الكلام على المستهزئين و يأكلون رضف جهنم أي حجاراتها المحماة، لأن الرضف بالضاد المعجمة الحجارة المحماة التي يكون بها «فقال من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم المفروضة عليهم».
و كشف له (صلى اللّه عليه و سلم) عن حال الزناة، بضرب مثال «ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدور و لحم نيء أيضا في قدور خبيث فجعلوا يأكلون من ذلك النيء الخبيث و يدعون النضيج الطيب، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، و المرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا فتأتي رجلا خبيثا فتبيت عنده حتى تصبح».
و كشف له (صلى اللّه عليه و سلم) عن حال من يقطع الطريق بضرب مثال «ثم أتى على خشبة لا يمر بها ثوب و لا شيء إلا خرقته، فقال: ما هذه يا جبريل؟ قال: هذا مثل أقوام من أمتك يقاعدون على الطريق فيقطعونه و تلا وَ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ [الأعراف: الآية ٨٦].
و كشف له (صلى اللّه عليه و سلم) عن حال من يأكل الربا أي حالته التي يكون عليها في دار الجزاء «فرأى رجلا يسبح في نهر من دم يلقم الحجارة، فقال له: من هذا؟ قال:
آكل الربا» و قد شبهه اللّه تعالى في القرآن بقوله الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ [البقرة: الآية ٢٧٥] أي إذا بعث الناس يوم القيامة خرجوا مسرعين من قبورهم، إلا آكلة الربا فإنهم لا يقومون من قبورهم إلا مثل قيام الذي يصرعه الشيطان، فكلما قاموا سقطوا على وجوههم و جنوبهم و ظهورهم، كما