السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٤٤ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
سبيل اللّه» أي كشف له عن حالهم في دار الجزاء بضرب مثاله، فرأى قوما يزرعون في يوم أي في وقت «و يحصدونه في يوم» أي في ذلك الوقت كما يرشد إليه الحال «كلما حصدوا عاد كما كان، فقال: يا جبريل ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل اللّه تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، و ما أنفقوا من خير فهو يخلفه» هذا الثاني هو المناسب لحالهم دون الأول، فالأولى الاقتصار عليه إلا أن يدعي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) شاهد الحصاد و العود العدد المذكور الذي هو سبعمائة مرة على أن المضاعفة المذكورة لا تختص بالمجاهدين. فقد جاء «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا أن يقال المراد تكرر الجزاء العدد المذكور للمجاهدين أمر مؤكد لا يكاد يتخلف، و في غيرهم بخلافه.
«و وجد (صلى اللّه عليه و سلم) ريح ماشطة بنت فرعون، و وجد داعي اليهود و داعي النصارى، فأما الأول، فقد رأى عن يمينه داعيا يقول: يا محمد انظرني أسألك، فلم يجبه، فقال: ما هذا يا جبريل، فقال: داعي اليهود، أما إنك لو أجبته لتهودت أمتك» أي لتمسكوا بالتوراة، و المراد غالب الأمة «و أما الثاني فقد رأى عن يساره داعيا يقول: يا محمد انظرني أسألك فلم يجبه، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال هذا داعي النصارى، أما إنك لو أجبته لتنصرت أمتك» أي لتمسكت بالإنجيل، و حكمة كون داعي اليهود على اليمين و داعي النصارى على اليسار لا تخفى.
«و رأى (صلى اللّه عليه و سلم) حال الدنيا أي كشف له عن حالتها بضرب مثال «فرأى امرأة حاسرة عن ذراعيها» كأن ذلك شأن المقتص لغيره «و عليها من كل زينة خلقها اللّه تعالى» أي و معلوم أن النوع الواحد من الزينة يجذب القلوب إليه، فكيف بوجود سائر أنواع الزينة «فقالت يا محمد انظرني أسألك، فلم يلتفت إليها، فقال: من هذه يا جبريل؟
قال تلك الدنيا أما إنك لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة. و رأى عجوزا على جانب الطريق، فقالت: يا محمد انظرني أسألك، فلم يلتفت إليها، فقال: من هذه يا جبريل؟ فقال: إنه لم يبق من عمر الدنيا إلا ما بقي من عمر تلك العجوز «أي فزينتها لا ينبغي الالتفات إليها لأنها على عجوز شوهاء لم يبق من عمرها إلا القليل» و لينظر لم لم يقل تلك الدنيا و لم يبق من عمرها إلى آخره؟.
و في كلام بعضهم: الدنيا قد يقال لها شابة و عجوز، بمعنى يتعلق بذاتها، و بمعنى يتعلق بغيرها، الأول و هو حقيقة أنها من أول وجود هذا النوع الإنساني إلى أيام إبراهيم (صلوات اللّه و سلامه عليه) سبعة بعدها تسمى الدنيا شابة و فيما بعد ذلك إلى بعثة نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) كهلة، و من بعد ذلك إلى يوم القيامة تسمى عجوزا.
و اعترض بأن الأئمة صرحوا بأن الشباب و مقابله إنما يكون في الحيوان.
و يجاب بأن الغرض من ذلك التمثيل.