السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٣ - باب تزويج عبد اللّه أبي النبي
طلبا لها عبد اللّه بن جدعان، فعلموا بهم فقطعوا بعضهم و هرب بعضهم، و كان فيمن هرب أبو لهب: هرب إلى أخواله من خزاعة فمنعوا عنه قريشا، و من ثم كان يقال لأبي لهب سارق غزالة الكعبة.
و قد قيل منافع الخمر المذكورة فيها أنهم كانوا يتغالون فيها إذا جلبوها من النواحي لكثرة ما يربحون فيها لأنه كان المشتري إذا ترك المماكسة في شرائها عدوه فضيلة له و مكرمة فكانت أرباحهم تتكثر بسبب ذلك.
و ما قيل في منافعها أنها تقوي الضعيف، و تهضم الطعام، و تعين على الباه، و تسلي المحزون، و تشجع الجبان، و تصفي اللون، و تنعش الحرارة الغريزية، و تزيد في الهمة و الاستعلاء، فذلك كان قبل تحريمها، ثم لما حرمت سلبت جميع هذه المنافع، و صارت ضررا صرفا، ينشأ عنها الصداع و الرعشة في الدنيا لشاربها، و في الآخرة يسقى عصارة أهل النار.
و في كلام بعضهم: من لازم شربها حصل له خلل في جوهر العقل، و فساد الدماغ و البخر في الفم، و ضعف البصر و العصب، و موت الفجاءة و مميتة للقلب، و مسخطة للرب، و من ثم جاء أنها أي الخمرة ليست بدواء و لكنها داء. و جاء «اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر» أي كان مغلقا. و جاء «الخمر أم الفواحش» و في رواية «أم الخبائث» و جاء في الخمر «لا طيب اللّه من تطيب بها، و لا شفى اللّه من استشفى بها».
و قد قيل لا منافاة بين كون الغزالتين علقتا في الكعبة و سرقتا أو سرقت إحداهما، و بين كون عبد المطلب جعلهما حليا للباب، لأنه يجوز أن يكون عبد المطلب استخلص الغزالتين أو الغزالة من التجار، ثم جعلهما حليا للباب بعد أن كان علقهما.
و في الإمتاع: و كان الناس قبل ظهور زمزم تشرب من آبار حفرت بمكة، و أول من حفر بها بئرا قصي كما تقدم، و كان الماء العذب بمكة قليلا. و لما حفر عبد المطلب زمزم بنى عليها حوضا و صار هو و ولده يملآنه فيكسره قوم من قريش ليلا حسدا فيصلحه نهارا حين يصبح، فلما أكثروا من ذلك و جاء شخص و اغتسل به غضب عبد المطلب غضبا شديدا فأري في المنام أن قل: اللهم إن لا أحلها لمغتسل و هي لشارب حل و بل: أي حلال مباح ثم كفيتهم، فقام عبد المطلب حين اختلفت قريش في المسجد و نادى بذلك، فلم يكن يفسد حوضه أحد، أو اغتسل إلا رمى في جسده بداء.
ثم إن عبد المطلب لما قال لولده الحارث ذد عني: أي امنع عني حتى أحفر،