السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٢٩ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
رضي اللّه عنها «اتبعيه و انظري ما ذا يقول؟ فلما رجعت أخبرتني أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) انتهى إلى نفر من قريش في الحطيم» هو ما بين باب الكعبة و الحجر الأسود. و في كلام بعضهم: بين الركن و المقام. سمي بذلك لأن الناس يحطم بعضهم بعضا فيه من الازدحام لأنه من مواطن إجابة الدعاء، قيل و من حلف فيه آثما عجلت عقوبته، و ربما أطلق كما تقدم على الحجر بكسر الحاء و أولئك النفر الذين انتهى (صلى اللّه عليه و سلم) إليهم فيهم المطعم بن عدي و أبو جهل بن هشام و الوليد بن المغيرة، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «إني صليت الليلة العشاء» أي أوقعت صلاة في ذلك الوقت في هذا المسجد «و صليت به الغداة» أي أوقعت صلاة في ذلك الوقت، و إلا فصلاة العشاء لم تكن فرضت، و كذا صلاة الغداة التي هي الصبح لم تكن فرضت كما تقدم «و أتيت فيما بين ذلك بيت المقدس».
أي لا يقال كان المناسب لذلك أن يقول و أتيت في لحظة أو ساعات، و على ما تقدم فيما بين ذلك ببيت المقدس و لم يوسع لهم الزمن. لأنا نقول وسع لهم الزمن، لأن الطباع لا تنفر منه نفرتها من تلك فليتأمل.
قال «و جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما دخل المسجد قطع و عرف أن الناس تكذبه» أي و ما أحب أن يكتم ما هو دليل على قدرة اللّه تعالى، و ما هو دليل على علوّ مقامه (صلى اللّه عليه و سلم) الباعث على اتباعه؟ فقعد (صلى اللّه عليه و سلم) حزينا، فمر به عدو اللّه أبو جهل فجاء حتى جلس إليه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ قال نعم أسري بي الليلة، قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا قال: نعم، قال فلم ير أنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث إن دعا قومه إليه، قال: أ رأيت إن دعوت قومك أ تحدثهم ما حدثتني؟ قال نعم، قال: يا معشر بني كعب بن لؤيّ، فانقضت إليه المجالس و جاءوا حتى جلسوا إليهما، فقال: حدث قومك بما حدثتني به، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إني أسري بي الليلة، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس» الحديث انتهى «فنشر لي رهط من الأنبياء منهم إبراهيم و موسى و عيسى عليهم الصلاة و السلم و صليت بهم و كلمتهم فقال أبو جهل كالمستهزئ صفهم لي فقال (صلى اللّه عليه و سلم): أما عيسى عليه الصلاة و السلام ففوق الربعة و دون الطويل» أي لا طويل و لا قصير «عريض الصدر، ظاهر الدم» أي لونه أحمر. و في رواية «يعلوه حمرة كأنما يتحادر من لحيته الجمان» و في رواية «كأنه خرج من ديماس» أي من حمام، و أصله الكن الذي يخرج منه الإنسان و هو عرقان، و أصله الظلمة. يقال: ليل دامس.
و الحمام لفظ عربي. و أول واضع له الجن، وضعته لسيدنا سليمان على نبينا و عليه الصلاة و السلام. و قيل الواضع له بقراط؛ و قيل شخص سابق على بقراط، استفاده من رجل كان به تعقيد العصب فوقع في ماء حار في جب فسكن، فصار يستعمله حتى برئ.