السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٢٧ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
الصلاة و السلام ببيت المقدس.
و الظاهر أنه بعد رجوعه (صلى اللّه عليه و سلم) إليه، أي فلم يصلّ في بيت المقدس إلا مرة واحدة و إنها بعد نزوله (صلى اللّه عليه و سلم)، لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل جبريل عنهم واحدا واحدا و هو يخبره بهم. أي و لو كان صلى بهم أولا لعرفهم، بل تقدم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) عرف النبيين ما بين قائم و راكع و ساجد:
و ما بالعهد من قدم
و هذا هو اللائق، لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) أولا كان مطلوبا إلى الجناب العلوي: أي بناء على أن المعراج كان في ليلة الإسراء، و حيث كان مطلوبا لذلك، اللائق أن لا يشتغل بشيء عنه، فلما فرغ من ذلك اجتمع هو (صلى اللّه عليه و سلم) و إخوته من النبيين ثم أظهر شرفه عليهم فقدمه في الإمامة، هذا كلامه.
أقول: بحث أن صلاته (صلى اللّه عليه و سلم) ببيت المقدس و لم تكن إلا بعد رجوعه (صلى اللّه عليه و سلم) من العروج، و الاستدلال على ذلك بسؤاله (صلى اللّه عليه و سلم) عن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام واحدا واحدا في السماء، و أن ذلك هو اللائق فيه نظر ظاهر، لأنه لا بحث مع وجود النقل بخلافه، و مجرد الاستحسان العقلي لا يردّ النقل، فقد تقدم عن الحافظ ابن كثير أنه ثبت في الحديث ما يدل على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صلى بهم ببيت المقدس قبل العروج و بعده، و كونه سأل عن الأنبياء في السماء لا ينافي صلاته بهم أولا، و أنه عرفهم بناء على تسليم أن معرفته لهم كانت عند صلاته بهم أوّلا، و أنه عرفهم كلهم لا معظمهم على ما قدمناه، لأنه يجوز أن يكونوا في السماء على صور لم يكونوا عليها ببيت المقدس، لأن البرزخ عالم مثال كما تقدم.
و بهذا يعلم ما في قول بعضهم رؤيته (صلى اللّه عليه و سلم) للأنبياء (صلوات اللّه و سلامه عليهم) في السماء محمولة على رؤية أرواحهم إلا عيسى و إدريس عليهما الصلاة و السلام، و رؤيته (صلى اللّه عليه و سلم) لهم في بيت المقدس يحتمل لأن المراد أرواحهم، و يحتمل أجسادهم، و يدل للثاني «و بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام» و في رواية «فنشر لي الأنبياء من سمى اللّه و من لم يسمّ، فصليت بهم» (صلى اللّه عليه و سلم) و عليهم، و الاشتغال عن الجناب العلوي المدعو له بما فيه تأنيس له، و هو اجتماعه (صلى اللّه عليه و سلم) بالأنبياء عليهم الصلاة و السلام و صلاته بهم مناسب لائق بالحال، و اللّه أعلم.
و اختلف في هذه الصلاة. فقيل العشاء، أي الركعتان اللتان كان (صلى اللّه عليه و سلم) يصليهما بالعشاء بناء على أنه صلى ذلك قبل العروج.
و فيه أنه صلى تينك الركعتين اللتين كان يصليهما بالغداة: أي و هذا يدل على أن الفجر طلع و هو (صلى اللّه عليه و سلم) ببيت المقدس بعد العروج و تقدم، و سيأتي أنه صلى الغداة