السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٢ - باب تزويج عبد اللّه أبي النبي
سقانا اللّه فاشربوا و استقوا، فجاؤوا فشربوا و استقوا، ثم قالوا لعبد المطلب قد و اللّه قضى لك علينا يا عبد المطلب، و اللّه لا نخاصمك في زمزم أبدا، إن الذي سقاك الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا، فرجع و رجعوا معه و لم يصلوا إلى الكاهنة، فلما جاء و أخذ في الحفر وجد فيها الغزالتين من الذهب اللتين دفنتهما جرهم، و وجد فيها أسيافا و أدراعا، فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك، فقال: لا، و لكن هلموا إلى أمر نصف بيني و بينكم.
و النصف: بكسر النون و سكون الصاد المهملة و بفتحها النصفة بفتحات نضرب عليها بالقداح قالوا: و كيف تصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، و لكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له، و من تخلف قدحاه فلا شيء له، قالوا أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة و قدحين أسودين لعبد المطلب و قدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوها لصاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل: أي و جعلوا الغزالتين قسما و الأسياف و الأدراع قسما آخر، و قام عبد المطلب يدعو ربه بشعر مذكور في الأمتاع، فضرب صاحب القداح، فخرج الأصفران على الغزالتين، و خرج الأسودان على الأسياف و الأدراع، و تخلف قدحا قريش، فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، و ضرب في الباب الغزالتين، فكان أول ذهب حليت به الكعبة ذلك. و من ثم جاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: و اللّه إن أول من جعل باب الكعبة ذهبا لعبد المطلب.
و في شفاء الغرام أن عبد المطلب علق الغزالتين في الكعبة، فكان أول من علق المعاليق بالكعبة، و سيأتي الجمع بين كونهما علقا بالكعبة و بين جعلهما حليا لباب الكعبة و قد كان بالكعبة بعد ذلك معاليق، فإن عمر رضي اللّه تعالى عنه لما فتحت مدائن كسرى كان مما بعث إليه منها هلالان فعلقا بالكعبة، و علق بها عبد الملك بن مروان شمستين و قدحين من قوارير، و علق بها الوليد بن يزيد سريرا و علق بها السفاح صحفة خضراء، و علق بها المنصور القارورة الفرعونية، و بعث المأمون ياقوتة كانت تعلق كل سنة في وجه الكعبة في زمن الموسم في سلسلة من ذهب.
و لما أسلم بعض الملوك في زمنه أرسل إليها بصنمه الذي كان يعبده، و كان من ذهب متوجا و مكللا بالجواهر و الياقوت الأحمر و الأخضر و الزبرجد، فجعل في خزانة الكعبة.
ثم إن الغزالتين سرقتا و أبيعتا من قوم تجار قدموا مكة بخمر و غيرها، فاشتروا بثمنها خمرا.
و قد ذكر أن أبا لهب مع جماعة نفدت خمرهم في بعض الأيام، و أقبلت قافلة من الشام معها خمر، فسرقوا غزالة و اشتروا بها خمرا، و طلبتها قريش، و كان أشدهم