السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٠٤ - باب ذكر خروج النبي
يشرك به شيئا، و عن ذلك قال له ملك الجبال: أنت كما سماك ربك رءوف رحيم» قال الحافظ ابن حجر: و لم أقف على اسم ملك الجبال؛ و إلى حلمه و إغضائه (صلى اللّه عليه و سلم) أشار صاحب الهمزية بقوله.
جهلت قومه عليه فأغضى* * * و أخو الحلم دأبه الإغضاء
وسع العالمين علما و حلما* * * فهو بحر لم تعيه الأعباء
أي جهلت قومه (صلى اللّه عليه و سلم) فآذوه أذية لا تطاق؛ فأغضى عنهم حلما؛ و أخو الحلم:
أي و صاحب عدم الانتقام شأنه التغافل؛ فإن علمه وسع علوم العالمين؛ و وسع حلمه حلمهم؛ فهو واسع العلم و الحلم؛ لم تعيه الأعباء: أي لم تتعبه الأثقال؛ لكن تقييده بقومه السياق يدل على أن المراد به ثقيف؛ و قد علمت ما فيه فليتأمل.
و عند منصرفه (صلى اللّه عليه و سلم) المذكور من الطائف نزل نخلة و هي محلة بين مكة و الطائف، فمر به نفر سبعة؛ و قيل تسعة من جن نصيبين: أي و هي مدينة بالشام؛ و قيل باليمن أثنى عليها (صلى اللّه عليه و سلم) بقوله «رفعت إلي نصيبين: حتى رأيتها فدعوت اللّه تعالى أن يعذب نهرها و ينضر شجرها و يكثر مطرها» و قد قام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من جوف الليل أي وسطه يصلي. و في رواية «يصلي صلاة الفجر» و في رواية «هبطوا على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يقرأ القرآن ببطن نخلة» فلعله كان يقرأ في الصلاة، و المراد بصلاة الفجر الركعتان اللتان كان يصليهما قبل طلوع الشمس، و لعله صلاهما عقب الفجر و ذلك ملحق بالليل. و في قوله جوف الليل تجوز من الراوي، أو صلى صلاتين صلاة في جوف الليل و صلاة بعد الفجر و قرأ فيهما، أو جمع بين القراءة و الصلاة، و أن الجن استمعوا للقراءتين، و اطلاق صلاة الفجر على الركعتين المذكورتين سائغ، و بهذا يندفع قول بعضهم: صلاة الفجر لم تكن وجبت، و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يقرأ سورة الجن. و فيه:
أي في الصحيحين «أن سورة الجن إنما نزلت بعد استماعهم».
و قد يقال: سيأتي ما يعلم منه أنه ليس المراد بالاستماع المذكور هنا، بل استماع سابق على ذلك، و هو المذكور في رواية ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما الآتية، و رواية صلاة الفجر هنا ذكرها الكشاف كالفخر، و إلا فالروايات التي وقفت عليها فيها الاقتصار على صلاة الليل، و صلاة الفجر كانت في ابتداء البعث في بطن نخلة عند ذهابه و أصحابه إلى سوق عكاظ كما سيأتي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، فآمنوا به و كانوا يهودا لقولهم- إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى- و لم يقولوا من بعد عيسى إلا أن يكون ذلك بناء على أن شريعة عيسى مقررة لشريعة موسى لا ناسخة لها. و لا يخفى أنهم غلبوا ما نزل من الكتاب على ما لم ينزل، لأنهم لم يسمعوا جميع الكتاب، و لا كان كله منزلا. قال: و أنكر ابن عباس رضي