السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٠ - باب تزويج عبد اللّه أبي النبي
و يفصح بلعن علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) على المنبر، فلا عبرة بذمه.
و قيل لزمزم طيبة لأنها للطيبين و الطيبات من ولد إبراهيم، و قيل لها برة لأنها فاضت للأبرار، و قيل لها المضنونة لأنها ضن بها على غير المؤمنين، فلا يتضلع منها منافق، و قد جاء في رواية «يقول اللّه تعالى ضننت بها على الناس إلا عليك» و لعل المراد إلا على أتباعك، فيكون بمعنى ما قبله. و في رواية أنه قيل لعبد المطلب احفر زمزم، و لم يذكر له علامتها فجاء إلى قومه و قال لهم: إني قد أمرت أن أحفر زمزم، قالوا: فهل بين لك أين هي؟ قال لا، قالوا فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت، فإن يكن حقا من اللّه تعالى بين لك، و إن يكن من الشيطان فلن يعود إليك، فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه فأتاه فقال احفر زمزم إنك إن حفرتها لن تندم، و هي ميراث من أبيك الأعظم، لا تنزف أبدا و لا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، فقال عبد المطلب: أين هي؟ فقال: هي بين الفرث و الدم، عند قرية النمل حيث ينقر الغراب الأعصم غدا: أي و الأعصم، قيل أحمر المنقار و الرجلين، و قيل أبيض البطن، و على هذا اقتصر الإمام الغزالي حيث قال في قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «مثل المرأة الصالحة في النساء مثل الغراب الأعصم بين مائة غراب» يعني الأبيض البطن، هذا كلامه. و قيل الأعصم أبيض الجناحين، و قيل أبيض إحدى الرجلين، فلما كان الغد ذهب عبد المطلب و ولده الحارث ليس له ولد غيره، فوجد قرية النمل، و وجد الغراب ينقر عندها بين الفرث و الدم: أي في محلهما و ذلك بين إساف و نائلة:
الصنمين اللذين تقدم ذكرهما، و تقدم أن قريشا كانت تذبح عندهما ذبائحها: أي التي كانت تتقرب بها، و هذا يبعد ما جاء في رواية أنه لما قام بحفرها رأى ما رسم له من قرية النمل و نقرة الغراب، و لم ير الفرث و الدم فبينما هو كذلك ندت بقرة من ذابحها فلم يدركها حتى دخلت المسجد فنحرها في الموضع الذي رسم له.
و قد يقال لا يبعد لأنه يجوز أن يكون فهم أن يكون الفرث و الدم موجودين بالفعل فلا يلزم من كون المحل المذكور محلهما وجودهما فيه في ذلك الوقت، فلم يكتف بنقرة الغراب في محلهما، فأرسل اللّه له تلك البقرة ليرى الأمر عيانا.
و ذكر السهيلي (رحمه اللّه) لذكر هذه العلامات الثلاث حكمة لا بأس بها، و لعل إسافا و نائلة نقلا بعد ذلك إلى الصفا و المروة بعد أن نقلهما عمرو بن لحي من جوف الكعبة إلى المحل المذكور، فلا يخالف ما ذكره القاضي البيضاوي و غيره أن إسافا كان على الصفا و نائلة على المروة، و كان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما: أي و من ثم لما جاء الاسلام و كسرت الأصنام، كره المسلمون الطواف أي السعي بينهما، و قالوا يا رسول اللّه هذا كان شعارنا في الجاهلية لأجل التمسح بالصنمين، فأنزل اللّه تعالى- إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [البقرة: الآية ١٥٨]- الآية: و يقال إن