السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٨٤ - باب الهجرة الثانية إلى الحبشة
إني أحلف باللّه لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن بنا، و كان أبو طالب في كل ليلة يأمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يأتي فراشه و يضجع به، فإذا نام الناس أقامه و أمر أحد بنيه أو غيرهم أي من إخوته أو بني عمه أن يضطجع مكانه خوفا عليه أن يغتاله أحد ممن يريد به السوء: أي و في الشعب ولد عبد اللّه بن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، ثم أطلع اللّه رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) على أن الأرضة: أي و هي سوسة تأكل الخشب إذا مضى عليها سنة نبت لها جناحان تطير بهما، و هي التي دلت الجن على موت سليمان؛ على نبينا و عليه أفضل الصلاة و السلام أكلت ما في الصحيفة من ميثاق و عهد: أي الألفاظ المتضمنة للظلم و قطيعة الرحم؛ و لم تدع فيها اسما للّه تعالى إلا أثبتته فيها. و في رواية و لم تترك الأرضة في الصحيفة اسما للّه عز و جل إلا لحسته، و بقي ما فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم، أي و الرواية الأولى أثبت من الثانية.
قال: و جمع بين الروايتين بأنهم كتبوا نسخا فأكلت الأرضة من بعض النسخ اسم اللّه تعالى، و أكلت من بعض النسخ ما عدا اسم اللّه تعالى، لئلا يجتمع اسم اللّه تعالى مع ظلمهم انتهى، أي و التي علقت في الكعبة هي التي لحست تلك الدابة ما فيها من اسم اللّه تعالى، كما يدل عليه ما يأتي، فذكر ذلك لعمه أبي طالب، فقال له عمه: و الثواقب أي النجوم، لأنها تثقب الشياطين، و قيل التي تضيء لأنها تثقب الظلام بضوئها، و قيل الثريا خاصة لأنها أشد النجوم ضوءا- ما كذبتني قط: أي ما حدثتني كذبا. و في رواية أنه قال له: أربك أخبرك بهذا الخبر؟ قال نعم، فانطلق في عصابة: أي جماعة من قومه أي من بني هاشم و بني المطلب.
أي و في رواية أن أبا طالب لما ذكر لأهله قالوا له: فما ترى؟ قال: أرى أن تلبسوا أحسن ثيابكم، و تخرجوا إلى قريش، فتذكروا ذلك لهم قبل أن يبلغهم الخبر، فخرجوا حتى أتوا المسجد على خوف من قريش، فلما رأتهم قريش ظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) للقتل، فتكلم معهم أبو طالب، و قال:
جرت أمور بيننا و بينكم، فأتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم، فلعله أن يكون بيننا و بينكم صلح: أي مخرج يكون سببا للصلح، و إنما قال أبو طالب ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها: أي فلا يأتون بها، فأتوا بصحيفتهم لا يشكون أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يدفع إليهم: أي لأنه الذي وقعت عليه العهود و المواثيق، فوضعوها بينهم و قالوا لأبي طالب: أي توبيخا له و لمن معه: قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا و على أنفسكم، فقال أبو طالب: إنما أتيتكم في أمر نصف بيننا و بينكم:
أي أمر وسط لا حيف فيه علينا و لا عليكم، إن ابن أخي أخبرني أن هذه الصحيفة التي في أيديكم قد بعث اللّه تعالى عليها دابة لم تترك فيها اسما من أسماء اللّه تعالى إلا لحسته و تركت فيها غدركم و تظاهركم علينا بالظلم.